الحروب الأهلية وارتفاع معدلات الجريمة
بقلم/ د. محمد جميح
نشر منذ: أسبوع و 6 أيام و 17 ساعة
الجمعة 15 سبتمبر-أيلول 2023 07:22 م
 

على مدار السنوات الماضية خرجت جثث كثيرة من سجون الحوثيين في صنعاء بعد تعذيب وحشي، كما خرجت جثث أخرى ومشاهد مروعة مختلفة أنتجتها جماعات مسلحة في مناطق أخرى من البلاد، والشأن ذاته، وربما أكثر ترويعاً في بلدان عربية أخرى، وعلى وجه الخصوص تلك التي مرت بحالات من الصراع والحروب الأهلية، في العراق وسوريا والسودان وليبيا. وخلال أكثر من عقد من الزمان دمرت الحروب والصراعات القيم المجتمعية: دينية وأخلاقية، حيث ظهرت مع الحروب ـ

وبسببها ـ جرائم لم يكن الناس يتصورون وقوعها، وأنتجت جماعات العنف السياسي والأيديولوجي نوعاً من العنف الاجتماعي المنفلت، وحاول الكثير من القتلة الجنائيين محاكاة نظرائهم من القتلة في المليشيات المسلحة التي أفرزتها الظروف التي أفرزت الصراع بين «ثوار الربيع العربي» والأنظمة في عدد من البلدان العربية.

ومع مرّ السنوات رأينا مشاهد لحرق الناس ودفنهم أحياء، وأخرى لثقب رؤوسهم بالمثقاب، ناهيك عن حالات تعذيب وضرب حتى الموت، في سجون أنظمة وميليشيات مختلفة، وغيرها من جرائم العنف السياسي والعسكري والطائفي التي ولدت ـ بدورها ـ جرائم جنائية مروعة من مثل قتل أب لأبنائه، أو قتل زوجة لزوجها، أو أخ لأخيه، وما هو أدهى من ذلك، عندما يقتل الابن أباه أو أمه، في سوابق لم تكن ترد حتى في خيال المنتجين السينمائيين في منطقتنا العربية.

وقد فتحت الجرائم ذات الصبغة السياسية الباب لجرائم أخرى مروعة ليس لها طابع سياسي، بفعل سماع ورؤية الأخبار والمشاهد التي أنتجتها سجون الميليشات والأنظمة والجماعات المتطرفة المختلفة خلال العقد الماضي، الأمر الذي ولد جرائم أخرى بشعة ذات طابع اجتماعي جنائي، كما ذكرنا أعلاه. وقد بدأت القصة في البلدان الموبوءة بتلك الجرائم بصراع سياسي ظل يراكم الاحتقانات إلى أن تحول إلى صراع عسكري مسلح، وعندها خرجت الشيايطن من أقبيتها واندلعت ألسنة اللهب، وبدأت عسكرة المجتمعات، حيث رأينا المعلمين والموظفين والمدنيين يحملون السلاح ويصبحون زعماء حرب، وبدأت تدريجياً عمليات متسقة لتكريس العنف، وإضفاء الطوابع القيمية عليه، إلى أن تحول المجتمع أو شرائح واسعة فيه إلى ميليشيات مقاتلة توظف

الأطفال والمراهقين والشباب وتستهدفهم بأسلحتها وأيديولوجياتها العنيفة. وترجع التقارير الدولية أسباب ارتفاع معدلات الجريمة إلى عوامل اقتصادية واجتماعية وإلى ضعف الوازع الأخلاقي، وإلى سيطرة الميليشيات وتوظيفها للسجناء والمطلوبين أمنياً ضمن عناصرها، وهؤلاء يأتون غالباً بكم هائل من عقد الانتقام والثأر ضد المجتمع والقيم والأخلاق، مع فوضى السلاح المنفلت بفعل توسع الحروب الأهلية التي ضربت بعض الدول العربية، دون أن نغفل عن أثر الأعمال الفنية والأفلام والمسلسلات في انتشار معدلات الجريمة لدى الأطفال والمراهقين تحديداً. فتحت الجرائم ذات الصبغة السياسية الباب لجرائم أخرى مروعة ليس لها طابع سياسي، بفعل سماع ورؤية الأخبار والمشاهد التي أنتجتها سجون الميليشات والأنظمة والجماعات المتطرفة وكما تنوعت وسائل الجريمة ودرجاتها تنوعت ساحاتها، فلم يعد الأمر كما كان في السابق، حيث الشارع والسوق هما الساحة الأولى لحدوث الجرائم، بل توسعت هذه الساحة اليوم، لتشمل المنازل والمدارس وحتى دور العبادة التي كانت مقدسة لا يجوز التعرض فيها لأحد، وهو ما يحيل على ضعف الوازع الديني والروحي، مع غياب سلطة القانون ووسائل إنفاذه.

. ومع خروج المظاهرات في بعض البلدان العربية في 2011، ومع سقوط بعض الأنظمة السياسية سقطت بعض المنظومات القيمية والروحية، وشهدنا تصاعد موجات ما يمكن أن يطلق عليه «الإلحاد العاطفي» الذي يعد ردة فعل عاطفية لانهيار أحلام التغيير الذي رفعته ثورات «الربيع العربي» شعاراً لها، وبما أن «الإسلاميين» كانوا في مقدمة من أشعل تلك الثورات، وبما أن تلك الثورات قد فشلت ـ ولو إلى حين ـ فإن انهيارها مثّل لدى الكثير من الشباب المندفع صدمة شعورية قوية، ربط بسببها بين انهيار الأحلام والمنظومة

الدينية برمتها، وهو ما جعل الكثير من الشباب يجنح إلى التمرد على القيم الدينية السائدة. وفوق ذلك، وبفعل ارتخاء القبضة الأمنية في عدد من الدول التي تشهد صراعات مسلحة ساعد انتشار تجارة وإدمان المخدرات على تزايد معدلات الجريمة، ضمن سلسلة من العوامل يعضد بعضها بعضاً، الأمر الذي أدى لضعف الوازع الأخلاق والديني، والجرأة في تحطيم الضوابط أياً كانت، وهذا بدوره ساعد على تنامي معدلات الجريمة.

ومع تعقيدات ملحوظة في الأوضاع الاقتصادية، وتردي مستويات الدخل وانتشار البطالة، ومع غياب الوعي والرقابة الاجتماعية، وتراجع التعليم والقيم التربوية، ومع غياب كلي أو جزئي للأجهزة الأمنية، وغياب المحاسبة، وانهيار المنظومات العدلية، وتحكم الميليشيات في مناحي الحياة المختلفة في بلدان بعينها، مع كل ذلك ارتفعت معدلات الجريمة، وتنوعت أشكالها وأساليبها

والفئات العمرية التي تنفذها. كما أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات التكنولوجية الحديثة طرقاً جديدة لتوسيع نطاق الجريمة، ويسّرت سبلاً جديدة وجديّة لتنفيذها، عن طريق الإيقاع بالضحايا ضمن ما بات يعرف بـ«الجريمة الإلكترونية» في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والجنائية.

ولوحظ في الجرائم التي ارتكبت خلال فترات الصراع أن المجرم لا يكتفي بالجريمة، ولكنه يلجأ للتمثيل بالجثة على مستوى جرائم القتل، وهو ما يوحي بنوع من الحقد والغضب الإجرامي الذي لم تخفف منه الجريمة في حد ذاتها، ولكن منفذها يلجأ لأساليب مختلفة في التمثيل بالجثة في تصرفات محكومة بسلوك غرائزي إجرامي يستهدف الانتقام من الضحية وأذيتها حتى بعد الموت. يقول علماء النفس إن المجرم عندما يمارس جريمته ضد الضحية فإنه لا يمارسها ـ وفق تصوره ـ ضد إنسان مثله، ولكنه يرى في الضحية صورة غير إنسانية، أو صورة حيوانية شريرة لا تستحق الحياة، وبالتالي فإن هذه العملية النفسية اللاشعورية تساعد المجرمين على تنفيذ جرائمهم بضمير مرتاح.

وفوق ذلك، وعندما يتعلق الأمر بأعمال العنف الديني والطائفي والأيديولوجي فإن الكثير من المجرمين المهووسين أيديولوجياً ينطلقون من منطلقات «تطهرية» في اقتراف جرائمهم، على أساس أن الضحايا يستحقون الموت، وأن المجرمين يستحقون تكريم السماء والأرض، إثر قيامهم بأعمال «ترضي الله» حسب تصورات الكثير ممن تغسل الجماعات الدينية المتطرفة أدمغتهم بعباراتها الدينية والأيديولوجية القائمة على أساس وجود عالمين لا ثالث لهما: عالم الخير المحض الذي تمثله هذه الجماعات، وعالم الشر المحض الذي يمثله الضحايا.

وقد دخلت مؤخراً ـ وللأسف الشديد ـ عدد من الدول العربية ضمن «المؤشرات العالمية» لانتشار الجريمة، واحتلت بعض الدول مراتب متقدمة ضمن التصنيفات العالمية للدول الأقل أمناً والأكثر انتشاراً للجريمة، وهو ما يقرع الأجراس بضرورة استنفار الجهود السياسة والاجتماعية والثقافية والأمنية لمواجهة هذه الظواهر المتزايدة، مع انتشار معدلات الإحباط واليأس والجنوح للجريمة، ومع اهتزاز القيم الأخلاقية والوازع الديني، وما يُحتمه على المؤسسات المعنية من جهود مضاعفة لمواجهة تلك الظواهر المتزايدة يوماً بعد آخر.