توكل كرمان في " تناص" مع الشابي
بقلم/ د.عبدالمنعم الشيباني
نشر منذ: 8 سنوات و 6 أشهر و 8 أيام
الخميس 11 مارس - آذار 2010 04:04 م

عبد المنعم الشيباني

تأتي هذه العجالة النقدية امتداداً لمقالات في النقد الأدبي أكتبها لمواقع متخصصة شتى بحسب ما يسمح لي الوقت الأعز علي لإنجاز مهامي البحثية في الأدب الإنجليزي،ولست أزعم أني ناقدٌ إنما الناقد هو عبد الحميد سيف الحسامي وآخرون من مصر والشام والعراق...ثم ليست هذه قراءة نقدية كما أود(دراسة تحليلية من وجهة نظر نفسية-(سيكو أناليتك)بالشكل المطلوب والموسع القائم على التأصيل المفصل للموضوع....أكتب هذه العجالة وأنا أحتسي فنجانأ من الشاهي وأنتهي منها بانتهاء آخر رشفة، فأنا في عجلةٍ من أمري الآن لإنجاز ما كلفت به من البحث-بحث الدكتوراة-..،ولي ملاحظةُ لا بد منها وهي أني لا أكتب في السياسة إلا فيماندر بقصد تأصيل أو دراسة " سيكولوجية " معينة ،أي لا أكتب رغبةً في المعارضة أو ردة فعل لقضية سياسية عابرة وانأى عن تجريح الهيئات والأشخاص والأحزاب وهو منهج الشهيد حسن البنا والسائرين على خطاه..

وبعد تلك التوطئة، اسمحوالي أقدم لكم الكاتبة والناشطة الحقوقية توكل عبد السلام خالد كرمان: من تعز- والدها وزير الشؤون القانونية في عهد "حكومة الوحدة" في أوائل التسعينيات ممثلاً لحزب الإصلاح، إلا أنه غادر الوزارة احتجاجاً على عدم جدية الحكومة في اعطائه كامل الصلاحية كوزير ، وحنقاً من تواطئ الحكومة مع أكابر مفسديها حتى كتبت الصحف يومئذٍ " كرمان ليس وزيراُ من ورق"، وتنتمي توكل لعائلة عريقة في الفكر الإسلامي الوسطي الراقي، ولكن ليس الأهم في المقالة التعريف بفتاة من فتيات الإصلاح ولا الدعاية لها أو عليها هنا..،الأهم كيف أن توكل دخلت في تناص شعوري عفوي مع أبي القاسم الشابي من خلال مقالةٍ لها سمتها (( عدو الحياة ))... في المقالة تنعي فتاة الإصلاح توكل، طبيباً من أنبل أطباء اليمن وزهرةً قطفتها خناجر الجهل والغدر،إنه الطبيب الجميل درهم القدسي ،فالقاتل بالتأكيد (( عدو الحياة))..،لكن توكل تستغل الحادثة لتؤصل لسيكولوجية طغيانية من أبرز صفاتها " قتل الحياة"، فـ عدو الحياة عند كرمان ليس شخصاً محدداً أو مسؤولاً سلطوياً بل سيكولوجية " تقتل زهرات الحياة وتسحقها"..،قد تكون هذه السيكولوجية مجسدة في شخص أو قبيلة أو مسؤول أو سلطة أو مؤسسة أو جهة تنفيذية أو قوة إحتلال، وهذا أجمل تأصيل أعجبني لسيكولوجية " عدو الحياة" من جانب " بنت الإصلاح" توكل...وهنا تدخل الكاتبة في تناص شعوري مع أبي القاسم الشابي الشاعر التونسي الذي رحل في ربيع العمر (1909-1934) من خلال قصيدته (( ألا أيها الظالم المستبد))...،وأجدد التأكيد أن غاية المقالة ليس هدفاً إعلامياً آنياً ضد أحد من الناس في الوطن العربي،بل – كما قلنا- محاولة بحثية عاجلة لفهم سيكولوجية " عدو الحياة " من وجهة نظر دراسة نقدية نفسية بقصد العلم والتعلم..كيف اهتدت توكل بهذه العفوية إلى أجمل عناوينها " عدو الحياة "؟ ربما من الأسباب تتلمذها على يد خالها المفكر الإسلامي ياسين عبد العزيز( مفكر إسلامي كبير يتحاشى الظهور في وسائل الإعلام)،وربما تتلمذها على يد والدها رجل القانون، رجل قوي ونزيه ويسخر كثيراً من أعداء النظام والقانون وأعداء الحياة...،ومهما تكن الأسباب والمؤثرات الفكرية أو النفسية، فإن عفويتها الإنسانية وشخصيتها المحبة للحياة والجمال في ظل القانون الإلهي العادل ( نفس سمات الشابي)يجعلها تتشابه مع الشابي فكراً وشعوراً... ومعنى التناص بإيجاز سهل :" التشابه بين فكرتين أوأكثر من حيث المعنى أو تشابه في الشعور بين أكثر من شخص تجاه مسألة كونية معينة،وقد يكون تناصاً في اللفظة والعبارة، وهو عكس سرقة الأفكار ونقيضه، ويحدث هذا بشكل أوسع بين الكتاب والشعراء بغير قصد"..، هذا بإيجاز شديد نبسطه للقارئ الكريم ...

والأكثر إدهاشاً وتلقائيةً ويستحق كتابة ألف مجلد تصوير الشابي للظالم المستبد أنه: (( عدو الإله عدو الحياة))...، لو اجتمع كل شعراء العصور لم يقدروا أن يأتوا بمثل هذا الوصف إلا رسول الله محمد بن عبد الله – ((وماهو بشاعر)).

محور بحث الدراسة التحليلية النفسية هنا أن "الظالم المستبد" في كل الدهور والعصور يعادي شيئيين اثنين لا ثالث لهما (الإله والحياة).. ،لولم يكن إلا هذا السطر الشعري وحده للشابي لكفاه شاعراً عظيما إلى أبد الدهر.. والأكثر إدهاشاً أن الذي تنبأ للشابي أنه سيكون عظيماً هو سيد النقد الأدبي الأول في الوطن العربي والذي صار بعد ذلك مفكر الإسلام الأول في القرن العشرين والواحد العشرين سيد قطب..

مقتطفات من قصيدة الشابي:

ألا أيها الظالم المستبد :: عدو الإله عدو الحياه

سخرت بأنات شعبٍ ضعيف :: و كفك مخضوبةً من دماه

و سرت تشوه سحر الوجود :: و تبذر شوك الأسى في رباه

..

رويدك لا يخدعنك الربيع :: و صحو الفضاء و ضوء الصباح

ففي الأفق الرحب هول الظلام :: و قصف الرعود و عصف الرياح

حذار فتحت الرماد اللهيب :: و من يبذر الشوك يجن الجراح

..

تأمل هنالك أنى حصدت :: رؤوس الورى و زهور الأمل

و رويت بالدم قلب التراب :: و أشربته الدمع حتى ثمل

سيجرفك السيل سيل الدماء :: و يأكلك العاصف المشتعل

 

** شاعر وناقد أدبي

a.monim@gmail.com