أول ثمار الثورة الايرانية الاطاحة بشرطة الأخلاق.. ماذا تعرف عن شرطة الأخلاق في إيران؟

الأحد 04 ديسمبر-كانون الأول 2022 الساعة 05 مساءً / مأرب برس-غرفة الأخبار
عدد القراءات 3780

 

 في تطور جديد لمشهد الثورة في إيران يوحي بنجاحها انتزاع تنازلات جديدة من النظام الايراني.

حيث اعلن المدعي العام في إإيران حل وتفكيك شرطة الأخلاق. وعطفا على وقع الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها إيران منذ السابع عشر من شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، على خلفية وفاة الشابة مهسا أميني بعد أيام من احتجازها من قبل شرطة الأخلاق، وعشية تظاهرات وإضرابات ستستمر خلال الأيام الثلاثة المقبلة حسب الدعوات المنتشرة على شبكات التواصل، كشف المدعي العام الإيراني محمد جعفر منتظري، أمس السبت، عن قرار بإيقاف تسيير دوريات شرطة الأخلاق في الشوارع الإيرانية.

وغابت الدوريات عن الشوارع الإيرانية منذ قرابة ثلاثة أشهر بعد وفاة مهسا أميني، وهو ما أثار تساؤلات حول بقائها أو عدمه، ليرد المدعي العام الإيراني خلال ندوة على سؤال عن سبب تعطيل شرطة الأخلاق، قائلاً إن "شرطة الإرشاد لا علاقة لها بالسلطة القضائية وأوقفوها من حيث أسسوها"، مع التأكيد أن الجهاز القضائي الإيراني "سيستمر في الرقابة على السلوكيات في المجتمع".

مع ذلك، لم تعلن السلطات الإيرانية رسمياً حلّ شرطة الأخلاق، فضلاً عن إلغاء "الحجاب الإلزامي" الذي بات مطلباً شعبياً وأصبح نحو 70 في المائة من المجتمع يرفضه وفق نتائج استطلاعات رأي أجرتها مؤسسات إيرانية. وكان المسؤول السابق لصحيفة "كيهان" الإيرانية المحافظة مهدي نصيري، قد قال في 19 سبتمبر/ أيلول عام 2020، خلال برنامج حواري مع التلفزيون الإيراني، إن نتائج استطلاعات الرأي السرية لوزارة الثقافة والإرشاد الإيرانية تُظهر أن 70 في المائة من الإيرانيين يرفضون "الحجاب الإلزامي"، فضلاً عن أن الناشطة الإيرانية المعتقلة فائزة هاشمي رفسنجاني، قالت يوم 20 يوليو/ تموز عام 2022 لموقع "معاصر" الإيراني، إنه حسب بحث أجراه المجلس الأعلى للثورة الثقافية الإيرانية، فإن 70 في المائة من الإيرانيين يرفضون الحجاب الإلزامي. غير أن وكالات الأنباء المحافظة شككت لاحقاً في صحة هذه الأرقام ونفتها.

كما أنه في النشرة الداخلية السرية المسربة الأسبوع الماضي من وكالة "فارس" الإيرانية والتي كانت ترسلها إلى قائد "الحرس الثوري" الإيراني، ورد أن نتائج استطلاع رأي أجرته الداخلية الإيرانية في أنجاء البلاد، كشف أن 51 من الإيرانيين أكدوا ضرورة أن يكون ارتداء الحجاب "طوعياً" وليس إلزاماً. وتأسست شرطة الأخلاق أو الإرشاد في إيران عام 2005، وفق مشروع "الحجاب والعفاف" الذي تبناه مجلس الثقافة العامة التابع للمجلس الأعلى للثورة الثقافية الإيراني، المخول قانونياً بتدبير الشؤون الثقافية والتعليمية في البلاد.

وفي العام نفسه، أعلن الرئيس الإيراني المحافظ الأسبق محمود أحمدي نجاد، دخول المشروع حيز التنفيذ، لتقوم السلطات الشرطية الإيرانية عام 2006 بتسيير باصات صغيرة بلون أخضر في الشوارع تحت عنوان "شرطة الإرشاد"، لـ"الرقي بالأمن الاجتماعي".

رافق جدل واسع ملف شرطة الأخلاق في إيران منذ تأسيسها وتسييرها، وهو جدل مدفوع بجدل أوسع وأكثر أهمية حول قضية الحجاب في البلاد، والذي خرج عن نطاقه الاجتماعي والديني، ليتخذ طابعاً سياسياً منذ قرابة قرن تقريباً، بعدما أقدم مؤسس السلالة البهلوية الملكية في إيران رضا شاه، على حظر ارتدائه في يناير/ كانون الثاني 1936.

واجه الحظر مقاومة شديدة في إيران من قبل رجال الدين والشرائح المحافظة، فضلاً عن انتقادات بين المفكرين ودعاة حرية اللباس، إلا أنه بعد ارتقاء نجله محمد رضا البهلوي العرش الملكي عام 1941، لم يعد يطبق القانون في ظل المعارضة الموجودة آنذاك. بعد ذلك، اختفى الجدل حول الحجاب في إيران تقريباً، قبل أن يعود مجدداً بعد انطلاق الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، على خلفية تعليمات مؤسس الثورة آية الله روح الله الخميني الموسوي، بضرورة التزام النساء الإيرانيات بالحجاب خارج البيت.

ثم تم تسيير دوريات "جند الله" وقوات خاصة لمكافحة "المنكرات" في المجتمع، فضلاً عن تصدي ثوار إيرانيين من تلقاء أنفسهم لمشاهد عدم ارتداء الحجاب في الشوارع، الأمر الذي دفع الخميني إلى مناشدة السلطات بمنع "التصرف الفردي" في التصدي للنساء غير المحجبات.

وبسبب صعوبة فرض الحجاب مرة واحدة في ظل انتشار ظاهرة عدم ارتدائه، جاء إلزامه بعد الثورة على عدة مراحل خلال عامي 1981 و1983، لكن الخطوة واجهت تظاهرات ومقاومة نسوية. ففي المرحلة الأولى، فرض الحجاب داخل الدوائر الحكومية، وثم خارج البيوت على جميع الإيرانيات، ولتدعيم الأمر قانونياً، أقر المشرعون الإيرانيون عام 1983 قانون عقوبة عدم الالتزام بالحجاب الإسلامي، الذي ينص على عقوبات تعزيرية مثل الحبس من عشرة أيام إلى شهرين و74 جلدة وغرامات، كما ورد في المادة رقم 638 في قانون العقوبات الإسلامية. مع ذلك، وعلى الرغم من وضع النساء الإيرانيات مناديل على الرأس وارتداء معاطف طويلة مثل الشادور، لم تلتزم شرائح منهن بالقواعد المشددة للحجاب الإسلامي، أي تغطية كاملة للشعر والجسم كله. وأدى إلزام الحجاب مع مرور الوقت إلى تبلور مقاومة نسائية مستمرة، وهو ما ساهم في ظهور ظاهرة "الحجاب العرفي" في إيران، والتي أصبحت

ظاهرة مألوفة في المجتمع حالت دون تطبيق قانون الحجاب الإلزامي على أرض الواقع في حق النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب الإسلامي، إلا على من يتخطين ضوابط ارتداء الحجاب العرفي المألوف في إيران، والذي تقبله السلطات، ويشمل تغطية الرأس بشكل غير كامل، وإظهار جزء من شعر الرأس. لكن مع انتشار ظاهرة الكشف عن معظم شعر

الرأس وارتداء سراويل ضيقة ومثقوبة ووضع مساحيق التجميل بين الفتيات في الشوارع الإيرانية، وخاصة منذ عهد حكومة "الإصلاحات"

في إيران في عهد الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي (1997 إلى 2005)، تصاعدت الانتقادات الواسعة بين الأوساط المحافظة في البلاد، مما أدى في نهاية المطاف إلى تبني حكومة أحمدي نجاد

المحافظة بعد فوزه بالرئاسة عام 2005، قانون "الحجاب والعفاف"، وتأسيس شرطة الأخلاق للتصدي لظاهرة عدم تقيد الإيرانيات بقواعد الحجاب. 

وشهد تسيير دوريات شرطة الأخلاق في الشوارع الإيرانية، صعوداً وهبوطاً مع دخول البلاد المناسبات الانتخابية، ففي عام 2009 قبل الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل، والتي فجرت نتائجها بعد تجدد ولاية أحمدي نجاد، احتجاجات واسعة في البلاد، خفّ تواجد هذه

الدوريات في الشوارع قبل أن تعود إلى الواجهة عام 2010، في إطار مشروع "الأمن الأخلاقي"، وزاد نشاطها عام 2011، وأصبحت تتصدى لمظاهر الاختلاط وعدم ارتداء الحجاب في حفلات الموسيقى. كذلك، مع صيف عام 2012، واختيار الرئيس الإيراني "المعتدل" حسن روحاني، المنتقد لهذه الدوريات، رئيساً للبلاد خلفاً لأحمدي نجاد، عادت دوريات الشرطة إلى الشوارع ومراكز التسوق وحفلات الموسيقى، وهو ما اعتبره التيار الإصلاحي خطوة لوضع عراقيل أمام حكومة روحاني المدعومة من التيار. .