ضوابط الزواج الفقهية والموضوعية
د.فيصل الحذيفي
د.فيصل الحذيفي

تضمن تراث الفقه الإسلامي مجموعة من الضوابط الشرعية والموضوعية كمحددات عامة منها ما هو فقهي ومنها ما هو موضوعي ، وان الاستدلال على صحة الزواج دونا عن هذه الضوابط لا يلغيها ولا يخطئها. وزواج الصغار لا يقتصر على الصغيرات من الإناث ولكن قد يشمل الصغار من الذكور المتزوجين بقرار الآباء وهو ما نغفله عند تناول زواج الصغيرات. وسنستعرض في هذه الورقة أولا: أهمية « الوعي بضوابط الزواج» وثانيا « التفريق بين البلوغ والرشد» كأسس موضوعية لإباحة الزواج في أي عمر أو تنظيمه في سن آمن.

اولا: الوعي بضوابط الزواج

1- الكفاءة : هي القدرة على ممارسة وظيفة الزواج لكلا الزوجين والتناسب بين الزوجين من حيث: «العمر» « والبنية الجسدية » « والمكانة الاجتماعية» « والتدين والخلق».

فــ« الكفؤ المثل، وفي النكاح أن يكون الرجل مثل المرأة في الإسلام والحرية والصلاح والنسب وحسن الكسب والعمل» والكفاءة تقتضي القدرة على أداء الزوجين أدوارهما معا دون تقصير لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم « كُلُّكُمْ رَاعٍ ومسؤول عن رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وهو مسؤول عن رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ في أَهْلِهِ رَاعٍ وهو مسؤول عن رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مسؤولة عن رَعِيَّتِهَا ...».

وما هو شائع في زواج الصغيرات بالنسبة للسن فإن معظم الزيجات تتم بين كبار السن من الرجال على فتيات صغيرات دون سن 18 سنة وهنا مكمن الخلل وهذا التفاوت في السن يتضمن معه حتما التفاوت في البنية الجسدية بين صغيرة لم يكتمل نموها ورجل كبير لا يبعث على الألفة وان تظاهر المجتمع بقبولها، وذلك يتنافى مع المبدأ القرآني :« {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الروم21 ». وفي هذا التفاوت الصارخ في العمر نفي للمودة والرحمة المطلوبة شرعا.

وفي كثير الأحيان يتم غض الطرف عن شرط التدين والخلق لقول رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « إذا خَطَبَ إِلَيْكُمْ من تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ...». وبسبب الفقر المتفشي عادة ما نقبل من لديه المال متجاهلين الفوارق في العمر والبنية الجسدية والتحقق من عنصر الخلق والتدين، وهنا فإن رفع سن الزواج للفتاة إلى 18 عاما وهو السن الآمن لتوفر النضج البدني والرشد العقلي فيقرب الهوة ويخفف منها، والكفاءة في أحد وجوهها تعني الندية أي أن كل طرف يكون قادرا على تحمل الطرف الآخر في المعاشرة والحقوق والواجبات.

وفي حالات أخرى يتم الزواج بين طفلين الزوج والزوجة وهنا ينتفي شرط القوامة من الزوج لزوجته أو من الزوجة لأبنائها. الزوج الذي تعوله عائلته وتنتفي من الطفلة شروط الأمومة الآمنة بدنيا والواعية عقليا وإدراكا لوظيفة تربية الأبناء.

2- لقوامة : وهي تخص الزوج من خلال قدرته على الإنفاق والسكن والحماية الاجتماعية من أي مكرهات قد تواجههما معا أو أحدهما، ويكون الزوج الصغير الذي يعوله أبوه مطعونا في كفاءته الزوجية بعدم قدرته على القوامة المتمثلة في الإنفاق وهو ما يترتب على مثل هذه الزيجة الطلاق المبكر بسبب سيطرة الأبوين على الزوجين والتحكم بهما كما يتحكمان ببقية أبنائهما الأطفال مما يشكل إجهاضا لبناء الشخصية واهتزازها ، والقوامة هي في أحد وجوهها تعبير عن استقلال الشخصية وأهليتها للقيام بوظيفة الزوجية. والزواج المبكر للطفل «ذكرا أو أنثى» تحت وصاية الأبوين عادة ما يؤول إلى الطلاق بعد النضوج واستقلال الشخصية، وتكون الزوجة ضحية هذه التجربة. علما بأن وفاة الزوج مبكرا مع وجود أبناء صغارا تنتقل القوامة إلى الأم « = الزوجة الأرملة» على أبنائها ، فإذا كان سنها دون سن الرشد فلن تكون قادرة على دور الأم القوامة.

3- المعاشرة : المعاشرة الزوجية كالوطء وأداء الحقوق والواجبات كل زوج للآخر ، إذا كانت الصغيرة دون الثامنة عشرة ليس بالضرورة أن تكون قادرة على المعاشرة الجنسية (المسمى فقهيا الوطء) فما وجه الصواب في مثل هذه الزيجة ناقصة الوظيفة؟ والمعاشرة تقتضي البلوغ البيولوجي واكتمال النمو العقلي والبدني أيضا الذي يترتب عليها القدرة على الحمل والولادة وأداء وظيفة الأمومة. وصغر السن للزوجة ينفي هذه الوظيفة التي ينبغي أن تؤدى بشكل آمن.

4- الأمومة : تبدأ من صلاحية الوطء والقدرة على الحمل الآمن والإنجاب والتربية والعناية بالأبناء، ويترتب على زواج الصغيرة مخاطر صحية جمة يجهلها المتحمسون لهذا النوع من الزواج. أولها الوفاة أو الإجهاض الذي يتسبب صحيا في مرض الزوجة الطفلة ويحرمها الأمومة بسب الوفاة المتكررة للمواليد وعدم قدرتها على الحمل (نموذج الطفلة الأم المتوفية) ويصبح أخذ رأي الأطباء المتخصصين ضروريا عند سن التشريعات أو إصدار فتوى أو تنظيم العلاقات الاجتماعية.

5- الأهلية للزوجين : وتعني وصولهما إلى سن الرشد الذي يمكنهما من تحمل المسؤولية المدنية والجنائية وممارسة حقوقها دون تبعية للغير بما في ذلك أسرتهما، والرشد يتجاوز سن البلوغ الذي قد يحدث مبكرا للطفل الذي لا يخرجه البلوغ من طفولته (ذكرا أو أنثى) وللأهلية متطلباتها : « بلوغ سن الرشد، والعقل، والحرية الكاملة غير المنقوصة» والحرية وان كانت نقيض العبودية، إلا أن الزوجة الحرة قانونا ودينيا ليست كذلك على مستوى السلوك فهي أشبه بالجارية، والمجتمع الذكوري يحبذ الزوجة الحرة على هيئة جارية، فالحرية المطلوبة هنا قدرة الزوجة على التعبير عن إرادتها دون خوف أو تحفظ في مقدرتها على القبول والرفض والنقاش والامتناع وطلب الطلاق أو الخلع إن اقتضى الأمر ذلك ، وفي غياب الحرية الكاملة يسود استرقاق الإرادة واستلاب الشخصية باستتباع الزوجة للزوج دون نقاش. والعقل لا يتحدد بعدم الجنون أو بكبر السن وإنما بالعلم، إذ لا فرق بين الجاهل والمجنون إلا باختلاف نوع الضرر الناجم عن كليهما. ولذلك دعا رجال الفكر الإصلاحي إلى « صرف الهمة في تعليم البنات والصبيان معا لحسن معاشرة الأزواج ... مما يزيدهن أدبا وعقلا ويجعلهن بالمعارف أهلا ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام والرأي فيعظمن في قلوبهم ويعظم مقامهن لزوال ما فيهن من سخافة العقل والطيش » وذلك سمة الجاهل ذكرا أو أنثى وللنساء « أن تتعاطى من الأشغال والأعمال ما يتعاطاه الرجال على قدر قوتها وطاقتها ... وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة ، فإن فراغ أيديهن عن العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل وقلوبهن بالأهواء وافتعال الأقاويل، فالعمل يصون المرأة عما لا يليق بها ويقربها من الفضيلة... وإن المرأة التي لا عمل لها تقضي الزمن خائضة في حديث جيرانها».

وزواج الأطفال عادة يتم في غياب هذه الشروط لكليهما إن كانا طفلين أو للطفلة إن كانت زوجة. والاستدلال على صلاحية زواج الأطفال ونجاحه إنما يتم بالاعتماد على الحالات الناجحة المشاهدة للعيان دون النظر إلى الإخفاقات والانعكاسات السالبة لتجارب أخرى كثير نجهلها بسبب غياب الدراسات والإحصائيات التي تستجلي مخاطره. والوقوع في جناية زواج الصغيرات سببه غياب الوعي وعدم التفريق بين مفهومي البلوغ والرشد.

ثانيا: الفرق بين البلوغ والراشد :

الرشد هو قدرة الإنسان على اتخاذ القرار الصائب في حياته وسلوكه دون معاناة أو عجز {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً }الكهف66 والرشد في القرآن الكريم الهداية والصواب.

*الإنسان الراشد يحدد حقوقيا ونفسيا وبدنيا بهذه المؤشرات : هو شخص اكتمل نضجه ، يكون مسؤولا عن نفسه ، ويتمتع بحقوق الكبار ، ومساءل قانونيا عن أفعاله، ويمكن أن تسلط عليه العقوبة، ولم تعد دموع الأم تشفع له عند تسليط العقوبة عليه. وفي المواثيق الدولية والفكر الديني والإنساني يصبح الإنسان راشدا عند دخوله سن 18 سنة. ليتحقق له « بلوغ الرشد » - بدنيا وعقليا - وسيتحدد على سن الرشد وضوح التشريع لسن الزواج وسن الالتحاق بالعمل، وقد قسمنا الرشد في هذه الدراسة إلى ثلاثة مراحل بالتوالي وفقا للنص القرآني والفكر الإنساني:

ومن خلال استقصائنا للنص الديني ( القرآن والسنة ) وللتراث الفكري الإسلامي بخصوصه والإنساني بعمومه تبين لنا أن الرشد ثلاثة أصناف، رشد أهلية ، ورشد كفاءة ، ورشد تام.

1- رشد الأهلية القانونية : اكتمال النضج البدني والنفسي والعقلي، حين يصل سنا معينة يصبح الإنسان عندها امرأة أو رجلا مسؤولا عن نفسه وأفعاله ومحاسب عليها وتطبق عليه القوانين، وهذا السن هو الفاصل بين الطفولة والرشد القانوني وتحمل المسؤولية، واستقلال الشخصية وهنا يبرز قصور التشريعات اليمنية حيث تضطرب بين سن البلوغ وحق العمل وسن الحدث وسن الزواج، بينما في الغالب تحدد سن 18 سنة بالرشد القانوني حيث يصبح الإنسان « ذكرا أو أنثى» يخضع للمساءلة القانونية وتقرر عليه كامل العقوبة الجنائية، ويستطيع أن يشارك بالانتخابات ويستطيع السفر بنفسه دون عائق اجتماعي أو أسري أو قانوني). وهذا السن هو الحد الفاصل بين الطفولة والرشد، وتغدو مسؤولية الأسرة بعد هذا السن تجاه أبنائها اختيارية وليست إجبارية وتعد عونا من قبل الأسرة وتفضلا ليستشعر مبكرا تحمل المسؤولية. لأن الابن الملتحق في الدراسة الجامعية بعد سن 18 سنة ذكرا أو أنثى لا يزال كل من هما تحت رعاية أسرته وهذا تفضلا من الأسرة وليس واجبا.

والرشد في القرآن الكريم لم يتحدد بسن وإنما ترك تقديرا كما جاء في الآية {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداًفَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً } وهذا الرشد ورد في القرآن الكريم بمعنى « بلوغ الشدة»وقد ذكر متصلا باليتيم في موضعين:{وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّه ُوَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }حتى يصبح اليتيم رجلا راشدا، وفي الموضع الآخر قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُوَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } ، وقد جاء التعبير عن اليتم في كلا الموضعين لأن اليتم أشد بلاغة عن الطفولة الأضعف في المجتمع، فالطفل غير اليتم يجد سندا وأسرة تحميه وتدافع عنه ، لكن الطفولة في اليمن في ظل غياب الوعي يصبح يتيما وان وجد له أسرة فهي لا تحميه بل تستغله أبشع استغلال حين يتم حرمانه من التعليم ودفعه إلى موقع العمل ليعول أسرته ثم ينته به المطاف إلى الزواج المبكر.

وفي تراث الفكر الإسلامي القديم والمعاصر وردت كلمة الرشد دون تحديد ثابت للسن باستثناء ما ذكره بعض الفقهاء الأئمة عند سن 15 وسن 18 وسن 25 « وهناك خلاف فقهي حول سن الرشد أو بلوغ الأشد . . عند عبد الرحمن بن زيد وعند مالك بلوغ الحلم ، وعند أبي حنيفة خمسة وعشرون عاما. وعند السدي ثلاثون، وعند أهل المدينة بلوغ الحلم وظهور الرشد معاً بدون تحديد »

وفي الفكر الإسلامي المعاصر نجد « أن المراحل التي يجتازها الإنسان من يوم ولادته حتى بلوغه سن الرشد ثلاث مراحل: الأولى: مرحلة انعدام الإدراك، ويسمى الإنسان فيها بالصبي غير المميز. الثانية: مرحلة الإدراك الضعيف، ويسمى الإنسان فيها بالصبي المميز. الثالثة: مرحلة الإدراك التام، ويسمى الإنسان فيها بالبالغ والراشد» وقد حدد بعض الفقهاء السن التقديري لسن الرشد « بلوغه العام الخامس عشر من عمره على رأي عامة الفقهاء، أو ببلوغه العام الثامن عشر على رأي أبي حنيفة ومشهور مذهب مالك» وهذا النتاج الفكري أكثر نضجا من توجه بعض الدعاة المعاصرين الذين يصرون على ثبات سن الزواج عند 15 عاما أو ما دون ذلك.

وقد ورد أن سن البلوغ هو سن يجمع بين التكليف في « اَلْعِبَادَات وَالْحُدُود » فقد وقع الاختلاف في تحديد سن تنفيذ الحدود «... َقَالَ أَبُو حَنِيفَة : سِنّ الْبُلُوغ تِسْع عَشْرَة أَوْ ثَمَان عَشْرَة لِلْغُلَامِ وَسَبْع عَشْرَة لِلْجَارِيَةِ ، وَقَالَ أَكْثَر الْمَالِكِيَّة : حَدّه فِيهِمَا سَبْع عَشْرَة أَوْ ثَمَان عَشْرَة ، وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَابْن وَهْب وَالْجُمْهُور : حَدّه فِيهِمَا اِسْتِكْمَال خَمْس عَشْرَة سَنَة » وقد عرف الإمام النووي البلوغ بمعنى الرشد القانوني بقوله: « سِنّ الْبُلُوغ َهُوَ السِّنّ الَّذِي يُجْعَل صَاحِبه مِنْ الْمُقَاتِلِينَ ، وَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْم الرِّجَال فِي أَحْكَام الْقِتَال وَغَيْر ذَلِكَ » مستدلا بحديث ابن عمر بقوله : « عَرَضَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي » والبلوغ هو من محددات التكليف الديني والجهاد فرض ديني يوجبه البلوغ بينما الزواج هو تكليف دنيوي بضوابط دينية.

2- رشد الكفاءة: دخول مرحلة الاستقلال: وذلك عند التحاق الشخص الراشد رشدا قانونيا (18سنة) سوق العمل : حيث يكتسب عندئذ الاستقلال الشخصي في اتخاذ القرار، والقدرة على التفكير باستقلالية تامة لأنه يملك القدرة مادام يمتلك دخلا ماديا يحقق به الكفاءة الاجتماعية في المساهمة في العمل المدني الطوعي وتكوين أسرته الخاصة به، ولم يعد بحاجة للأسرة التي خرج منها كي يأخذ منها احتياجاته بل يصبح داعما لها كي يرجع إليها بعض ديونها عليه. ( ولا يدخل ضمن هذا الرشد الطفل العامل فهو مساو من حيث الاختراق للقواعد العقلية للطفل المتزوج) فالعمل كمحدد لرشد الكفاءة هو الذي يقوم به الإنسان البالغ الراشد فوق سن الثامنة عشرة.

حينئذ يستطيع تحمل مسؤولية الزواج والإنجاب والتربية والمساهمة الفاعلة في المجتمع وهذا الرشد هو المحدد الفعلي لسن الزواج وهو سن يتعدى الثامنة عشر. فالإنسان دون دخل حتى وان بلغ من السن عتيا سيظل تابعا وعاجزا عن تحمل المسؤولية باعتماده على الغير في معيشته وهو في ذلك يشبه الطفل الحدث. ورشد الكفاءة تحدده قوانين العمل والاتفاقيات الدولية التي تحدد السن المسوح بها دخول سوق الشغل، صحيح أننا نجد دخول الأطفال سوق العمل مبكرا وهو اعتداء على حقوقهم في التعليم والرعاية « والحماية من الاستغلال» ولكن هذا لا يمنحهم رشد الكفاءة ولا ينزع عنهم صفة الطفولة وهي ظاهرة تتصف بها بلدان العالم الثالث حيث تغيب التشريعات التي تحمي الأطفال من الاستغلال وتعريضهم لأسوأ الأعمال وأخطرها.

 3- الرشد التام: وهو الوصول إلى سن النضج الكامل عند الأربعين سنة فتكتمل مع هذا الرشد تجارب الإنسان «لأن في الأربعين يتناهى عقل الإنسان وفهمه»ويصير قادرا على المساهمة الاجتماعية بفاعلية وكفاءة موثوقة كما ذكر في القرآن الكريم {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } ومع هذا الرشد التام تلقى معظم الأنبياء والمرسلين نبواتهم ورسالاتهم وهذا الرشد متصل بالتكليف الإلهي بالنبوات قال تعالى:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } وكذلك قوله تعالى : {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ }.

وكان المأمول من قوانين الأحوال الشخصية أن تعتبر الرشد شرطا واجبا في عقد الزواج بدلا من الاكتفاء بشرط البلوغ ، وهو شرط يقضم حقوق الأطفال ويحولهم إلى كبار قبل الأوان، ويساهم في نشوء أسرة ضعيفة ومعتلة في الصحة والتكوين والكفاءة ...الخ. مما ينعكس على المجتمع المطبوع بسمة البداوة والتخلف بسبب سلوكه المخترق لقواعد التطور والنمو الطبيعي .

الرشد مفهوم متصل باكتمال النمو البدني والرشد العقلي ، بينما البلوغ كمفهوم مستقل متصل بالتحول البدني (الحيض عند الفتاة والحلم عند الفتى) والبلوغ كأداة متصلة بالرشد

ثانيا: مفهوم البلوغ : البلوغ حالة بيولوجية عضوية لا علاقة لها بالرشد ،البلوغ المبكر يحدث «البلوغ» عادة بسبّب تنبيه من قبل غدة الهايبوثالاماس hypothalamus ، وهي غدة في الدماغ تساعد على السَيطَرَة على وظيفة الغدّة النخامية.والبلوغ المعتاد والبلوغ المتأخر. فهناك الطفل البالغ والراشد البالغ ،ومن مظاهر البلوغ المادية الاحتلام عند الفتى والحيض عند الفتاة، والبلوغ بالمعنى البيولوجي مرتبط بالتكليف الديني وليس بالتكليف الاجتماعي - الحياتي، والتكليف الديني مرتبط بتوجيه الطفل وتدريبه على العبادات كالطهارة والصلاة والصوم وهي أمور يسيرة لا مشقة فيها مقارنة بالزواج المبكر أو العمل، وبالتالي فإن الفقه الإسلامي ربط البلوغ بالتكليف الديني فقط« قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ » باستثناء حرية الراشد على اختيار العقيدة « .. فكل فرد على حدة يملك أن يختار عقيدته بمجرد أن يبلغ سن الرشد؛ وبذلك يقرر نوع المجتمع الذي يريد أن يعيش فيه مختاراً، ونوع المنهج الإعتقادي والاجتماعي والسياسي والإقتصادي والخلقي الذي يريد بكامل حريته أن يتمذهب به ويعيش »

أما التكليف الدنيوي فذلك يوجبه الرشد بصوره الثلاثة وسن البلوغ متغير فهو ممتد بين تسع سنوات إلى عشرين عاما وهو في الغالب أكثر حدوثا ما بين 14- 17 سنة وسبب التقدم والتأخر في سن البلوغ كثيرة منها : البيئة كونها حارة أو باردة ، والأسرة غنية أو فقيرة ، وصحة الطفل سليمة أو مريضة ، وبنية الجسم قوية أو هزيلة ، والتغذية سليمة وصحية أم تقشفية ، والعمل كون الطفل مرتاحا أم مجهدا بأعمال شاقة ... الخ. وبسبب هذا التفاوت بسن البلوغ ينبغي تحديد سن قانونية موحدة للجميع تحفظ وتصون المجتمع من الانعكاسات السيئة للزواج المبكر والعشوائي وصرف الأطفال إلى ميدان العمل دون إكمال التعليم، كما أن البلوغ لا علاقة له بالرشد وهو الشرط الحقيقي الواجب توفره عند الزواج الذي يوجب على الزوج القدرة على الإنفاق والزوجة القدرة بكفاءة على الحمل والإنجاب والأمومة دون تعرضها للمضار والمخاطر.

فالبلوغ ليس واحدا فهو يعني : بلوغ سن التكليف الديني« لممارسة العبادات» ويمكن أن يفهم بأنه: بلوغ بيولوجي عضويجسماني«= الحيض والحلم» أو : بلوغ سن الرشد(كما ورد في الآيات سابقا) وهو البلوغ الجامع الصالح للتحديد المعياري. وإذا كان الزواج يشترط بلوغ سن الرشد فإن هذا السن في تراث الفكر الإسلامي لا يتحدد بسن معين بل الغالب فيه الاختلاف عند سن 15 وسن 18 وأكثر، وإذا كان البلوغ معناه البلوغ البيولوجي العضوي فإنه لا يصلح معيارا لسن الزواج، وهو قياس وفهم خاطئ.

hodaifah@yahoo.com

* جزء مقتطع من دراسة للباحث لم تنشر بعد.

 
في الجمعة 26 مارس - آذار 2010 05:46:07 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.com/articles.php?id=6750