صناعة الخيانة على يد العدو
سعيد ثابت سعيد
سعيد ثابت سعيد
 
  • يقدم ظهور ياسر أبو شباب ثم نهايته السريعة نموذجا لآلية الاحتلال في صناعة وكيل محلي يخدم مشروعه، ويعمل كواجهة مؤقتة تضفي على وجوده قدرا من الشرعية الزائفة، هذه الآلية تشكل عنصرا ثابتا في التجارب الاستعمارية الحديث، فقد اعتمدت فرنسا في الجزائر على شبكات محلية لتسهيل سيطرتها، ولجأ الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان إلى (جيش لحد)، وسعى في الضفة الغربية إلى إنشاء (روابط القرى) واستخدامها كواجهات مدنية وأمنية تدير المجتمع تحت مظلته. ويتقاطع ظهور أبو شباب مع هذا المسار الذي يقوم على إنتاج وكلاء محليين يعملون في مقدمة المشهد بينما تبقى القوة الغازية خلفهم.
  • تواجه محاولات الاحتلال لإعادة إنتاج هذه الصيغة في غزة واقعا اجتماعيا أكثر صلابة، فالحرب الجارية أعادت تشكيل المجتمع ككتلة متماسكة، ورسخت الانتماء عنصرا من عناصر الدفاع عن الوجود. ومع اشتداد القصف واتساع رقعة الإبادة، اختفت المساحات الرمادية التي يمكن أن تنشأ فيها مثل هذه الظواهر، لذلك ظهر نموذج الوكيل في غزة بلا جذور، لأن البيئة التي تخوض معركة بقاء لا تمنح هذا النوع من الأدوار مساحة للتمدد.
  • يحاول الاحتلال توظيف صور هذه النماذج في حربه النفسية، فيقدمها كدليل على وجود اختراق داخل المجتمع الفلسطيني، بيد أن المجتمع نفسه يقرأ هذه الصور بمنطق مختلف، ويعتبرها علامة على انهيار قدرة العدو على إنتاج سردية مقنعة. فالشارع الفلسطيني يدرك أن ظهور هذه الواجهات لا يعكس وزنا اجتماعيا، وأن حضورها يخدم الاحتلال وحده من خلال إيهام الجمهور بأن هناك شرائح محلية تقبل التعاون معه.
  • تؤكد التجارب التاريخية لدى الاحتلال أن هؤلاء الأفراد لا يمتلكون قيمة سياسية. فهم يعاملون كأدوات تستبدل عند انتهاء دورها، ويجري التخلي عنهم حين تتغير الظروف الميدانية. ويتضح هذا النمط في مصير جماعات استخدمها الاحتلال ثم تركها تواجه عزلة كاملة. فالعميل الذي يراهن على الاحتلال لا يحصل على ثقة مجتمعه، ولا ينال حماية القوة التي يستخدمها، ويظل عالقا بين خسارتين: خسارة الانتماء وخسارة الغطاء.
  • ينعكس هذا الواقع في غزة بصورة أشد وضوحا، لأن المجتمع الذي يخوض معركة وجودية يتعامل مع أي انحياز للعدو بوصفه مساسا مباشرا بسلامته الداخلية. لذلك يتعرض أي نموذج من هذا النوع لعملية رفض سريعة، ويتحول إلى ظاهرة منبوذة بمجرد ظهوره. فالخيانة هنا تُفقد صاحبها مكانه داخل المجتمع، وتضعه خارج المعادلة السياسية والاجتماعية في اللحظة نفسها التي يعلن فيها موقفه.
  • تقدم حالة أبو شباب مثالا على حدود قدرة الاحتلال على اختراق مجتمع يعيش تحت الإبادة. فمحاولات صناعة واجهة محلية تنهار أمام وحدة الوعي الجمعي، وينتهي (الوكيل) إلى مصير فردي لا يحمل أي تأثير داخل مجتمعه. ويتجلى من خلال هذه الظاهرة أن الاحتلال يفشل في إنشاء قاعدة محلية تمنحه شرعية، ويظل معتمدا على أدوات لا تملك عمرا سياسيا، لأن المجتمع يرفض تحويلها إلى جزء من بنيته.
  • بهذا المعنى، تبدو قصة ياسر أبو شباب تجسيدا عن فشل مشروع الاحتلال أكثر من كونها تعبيرا عن قوة هذا النموذج. وتبقى الظاهرة في حدودها الضيقة، لأنها تنشأ خارج شروط الانتماء الحقيقية، وتنتهي سريعا حين يواجه الفرد حكم المجتمع الذي يدافع عن وجوده.
 
في السبت 06 ديسمبر-كانون الأول 2025 07:39:07 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.com/articles.php?id=47989