لماذا تستقوي المعارضه بالخارج
عبدالباسط الحبيشي
عبدالباسط الحبيشي

عندما يتم التعاطي مع السياسة بمفهوم السمسرة او "البزينز" بعيداً عن الغاية الاساسية منها في خدمة الاوطان تتحول السياسة إلى نصب وإحتيال وفساد وإرتزاق وتُفسد بالتالي حياة المجتمعات ، لا عندما يكتفي السياسي بشرف المهنة او الوظيفة والاحترام والمكانة الرفيعة

التي يكتسبها من خلال خدمته لشعبه ووطنه.ورغم أن ظاهرة السياسة من أجل "البزينز" متفشية في العالم وجعلت كل شئ قابل للبيع والشراء ، إلا أن التفريط بالسيادة الوطنية والامن القومي والمصالح العليا للشعوب تظل خطوط حمراء ، بيد أن إنتشار هذه الظاهرة يتم بشكل سري للغاية وبالحدود الدنيا ويفقد من يُمارسها كل ما يملك ، ماله وسمعته ومستقبله إذا أفتضح أمره ،إلا في اليمن "السعيد" حيث تتم السمسرة السياسية في العلن ولا تقف عند أي حد حتى في قضايا تقرير المصير لدرجة أنه حتى العلم بأن محطة الانتخابات البرلمانية القادمة تشكل منعطف تاريخي هام تحدد المستقبل السياسي للتغيير الايجابي المطلوب في اليمن في حالة عدم تعرضها لإبتزاز "البزينز" المذكور أعلاه وترك السلطة تواجه عبره مصيرها الحتمي

.ولابد من التنويه قبل الدخول في التفاصيل أن مجرد إجراء إنتخابات لا يعني بالضرورة ثمة وجود نظام ديمقراطي في الدولة لأن الإنتخابات إنما هي عبارة عن آلية مفردة في إطار المنظومة الديمقراطية المتكاملة التي لابد من وجودها لتحقيق إنتخابات حرة ونزيهة ، لذلك فإن الصندوق الانتخابي وحده لا يمكن أن يكون الحّكم المحايد والوسيلة المُثلى للوصول إلى سدة الحكم في ظل غياب بقية الشروط او الآليات المؤسسية للعملية الديمقراطية. وبعض هذه الشروط وأهمها التي لا تتوفر في اليمن هي

:1- خلو الدولة من الفساد كونه لا يمكن إقامة إنتخابات حرة ونزيهة في بلد يتفشى فيها وباء الفساد ويسيطر الفاسدين على كافة مفاصل الدولة وشرايين الحياة فيها

.2- وجود سلطات قضائية وتشريعية وتنفيدية مستقلة.

3- وجود إعلام مستقل.نجد أن هذه الآليات والشروط وغيرها المعززة للعملية الانتخابية التي ينبغي أن ترتبط وتتمازج روحياً وموضوعياً مع عملية الانتخابات لخلق جنين ديمقراطي صحي معافى غير مشوه بأمراض الأسرية والمناطقية والديكتاتورية والفساد ليس لها وجود ، لذا نجد السلطة ترفض بإستمرار تفعيل بقية آليات المنظومة الديمقراطية وذلك من أجل الانفراد بالصندوق وتشويه النهج الديمقراطي وتحويله إلى دومخراطي من أجل الاستمرار بإعادة إنتاج نفسها في كل المراحل الانتقالية.لذا فإن إصرار السلطة الكاذب على القيام بالانتخابات في موعدها في هذه المرحلة بالذات فيه كثير من المغالطات فضلاً عن الاستخفاف بعقلية وذكاء المواطن اليمني الذي سئم هذه اللعبة لدرجة أنها تريد أن تغرس في نفسه التصديق بإن مجرد إجراء إنتخابات ، يتم تحقيق مجتمع ديمقراطي عادل وأن تربعها على سدة الحكم لإكثر من ثلاثة عقود إنما هو من مخرجات العمل الديمقراطي. لذلك فإن إنتزاع صوته عنوة ودون مصوغات قانونية يعني بالنسبة لها إغتصاب الشرعية والحق دون غيرها لحكمه ومواصلة نهبه وسرقة بلاده. ومع ذلك فإنها تعد نفسها حثيثاً وبإصرار للقيام بالانتخابات ولو من طرف واحد رغم علمها المسبق بفشلها لكن هذا الشعور جعلها قبل أسابيع منح المجالس المحلية فترة اخرى حتى قبل أن تبداء فترتهم الاولى فعلياً وبشكل جدي مخالفة الدستور والقوانين وذلك كرشوة مقدمة لهم على الحساب ، كما أنها تُنزل هذه الأيام للإنتخابات البرلمانية مرشحين من

الوزن الثقيل جداُ وذلك في حالة إستعداد مستميتة إذا لم ينجح التأجيل بالاضافة إلى تدابير أخرى كثيرة من هذا النوع. لكن الشارع اليمني عندماأدرك اللُعبه قرر مقاطعة الانتخابات. فلجأت السلطة إلى مغازلة المعارضة (إذا أفترضنا جدلاً وجودها الفعلي) المتمثلة حصراً باللقاء المشترك لمساومته للوقوف معها لتأجيل الانتخابات وإنقاذها من المأزق المحقق.

نقول ،أن هذا ممكن إذا أفترضنا وجود معارضة أصلاً، لأن وجود معارضة حقيقية لا تتم إلا في ظل معطيات وشروط ديمقراطية كما سبق.

ومع ذلك نجد أن هذه المعارضة على بدائيتها تهرول مع إطلاق أول صفارة من السلطة لإنقاذها عن طريق التأجيل لما في ذلك من تحقيق مصالح شخصية فضلاً عن أنها بهذا الفعل إنما تقوم بإنقاذ نفسها وهنا مربط الفرس لأنها تفتقد وجود قواعد حقيقية على المستوى الشعبي بسبب فسادها هي الاخرى وعجزها عن أداء وظيفتها بسبب عدم إمتلاكها المقومات الأساسية كمعارضة اضافة إلى عدم توفر الآليات الحقيقية للنهج الديمقراطي بشكل عام فتحولت بحكم الضرورة من معارضة ضد السلطة لتصحيح وتقويم ممارساتها ومساراتها إلى خُرج (وطاف) ترمي فيه السلطة قذاراتها واوساخها ثم تتدثر به كحُله فاخرة امام العالم الخارجي.

لذا نجدها اي المعارضة تحاول الإستقواء ظاهرياً بالخارج باي شكل وباي طريقة بسبب عدم مشروعيتها فنراها تستشهد على الدوام دون خجل بمذكرة الاتحاد الاوروبي المتعلقة بالانتخابات بل وذهبت لإكثر من ذلك حين نشرت في كل صحفها دون إستثناء خلال الايام القليلة الماضية تصريح هزيل وهابط يُقال أنه أدلي به موظف من الدرجة الرابعة او الخامسة في الخارجية الامريكية حول أهمية قيام الانتخابات في موعدها وذلك للإستقواء به على ما يبدو أمام السلطة وهذا لا يدل إلا على إفلاسها الكارثي فيما يتعلق بحقيقة وجودها على الساحة اليمنية في حالة إفتراض صدق النوايا بان هذا الإستقواء هو فعلاً موجه ضد السلطة بيد أنه لا يمكن تبريره إلا ليقدم لها لعذر للتوقيع على الإتفاقية المتعلقة بتأجيل الانتخابات لسنة أخرى ، لاسيما عندما نعرف أنه في الوقت الذي تنشر فيه هذه الصُحف ، تصريحات ملفقة نعرف مصادرها ، تقفل أبوابها أمام أي كاتب وطني يحاول تعرية السلطة ومفاسدها ، أي ان "المعارضة" تثبت على الدوام أنها وجه آخر لنفس العملة لأنها تقوم بنفس الدور التي تقوم به السلطة بحجب الحقائق بدلاً من بروّزتها وإظهارها للناس كجزء من دورها.

هذا بالاضافة إلى أنها لم تقرر حتى الان لا بالمقاطعة ولا بالمشاركة ولم تستعد لا للمقاطعة ولا للمشاركة كما تعمل السلطة. أليس هذا موقف غريب ومثير للشك؟؟ ثم نجدها تستنجد بتعليق ملفق من موظفين بسطاء في الخارجية الامريكية الذين ينطلقون إذا أفترضنا صحته بأرائهم وأفكارهم من أرضية سياسية وفكرية مختلفة تماماً عن الارضية والخصوصية والهموم اليمنية !! من هذا المنطلق نستطيع أن نقول "بالفم المليان" أن مقاطعة الانتخابات "هي مسؤولية وضرورة وطنية" وفي نفس الوقت فإن المساومة على تأجيلها "خيانة وطنية" لا سيما عندما يكون الهدف من التأجيل إنقاذ سلطة فاسدة آيلة للسقوط بسبب الحراك الوطني والرفض الشعبي العارم فضلاً عن عدم توفر المعطيات الموضوعية المؤسسية للتأجيل غير التسويف والمماطلة لكسب الوقت لمزيد من النهب والاسترزاق والعمالة خاصة وأن القوى المتنفذة لا تمتلك اي ذرة من النوايا الصادقة لتسهيل قيام إنتخابات حرة ونزيهة مهما بلغت إدعاءاتها وكمية الدموع التماسيحية المغلفة بالعنجعية التي تذرفها.للخروج من مأزقها الخطير الراهن الذي تنزلق في داخله نحو القعر ، تعمل السلطة على شراء بقايا أرصدة وطنية يمتلكها اللقاء المشترك لكن المشترك وللأسف يقوم دون تردد ببيعها لإنقاذ مصالحه ومع ذلك يحدونا الامل أن لا تطغى المصلحة الشخصية الانانية على بقية الشرفاء وأن لا يندفع اللقاء المشترك للإنزلاق إلى هذا المستنقع الآسن ونتمنى منه القيام بإعلان واضح وصريح بمقاطعة الانتخابات والنزول إلى الشارع لتوعية كل الناخبين بضرورة مقاطعتها مع عدم الموافقة على التوقيع على تأجيلها إلا بضمانات وطنية ودولية وإشراف دولي على الانتخابات وليست مجرد "مراقبة" دولية فهناك فرق. هذا هو دور المعارضة الوطنية حتى وإن خسرت مقاعدها الضئيلة في الانتخابات على أن تقدم للسلطة مشروعية مزوة أمام العالم بإسم الشعب اليمني العظيم او العمل كرديف متآمر مُبَطن للقوى المتنفذة لتغطية فضاعاتها

وفضائحها.ويلٌ لإمةٍ يحترف ساستها الرقص وكتابها ومثقفوها التطبيل والتزمير


في الثلاثاء 23 ديسمبر-كانون الأول 2008 11:47:25 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.com/articles.php?id=4598