استعادة عدن .. الممكن والمستحيل !!.
عبدالفتاح الحكيمي
عبدالفتاح الحكيمي
 

الأصل إن حوار جدة ما كان ينبغي للسعوديين الدعوة إليه من الأساس وهم لم يتمكنوا من الوفاء بتعهداتهم السابقة قبل نحو شهر والقاضية أولا بانسحاب مليشيات حزام الانتقالي من معسكرات الشرعية ومؤسسات الدولة بحسب بيان التحالف 10 أغسطس الماضي .. حتى بند وقف إطلاق النار تم خرقه بعد اسبوع بالاستيلاء على معسكرات الشرعية بمحافظة أبين وفي أثناء تواجد وفد الانتقالي في جدة لحضور (الحوار) مع الطرف الآخر !!.

ومع ذلك تغير الموقف جذريا كما يقول أرباب السياسة .. وما كان الانتقالي يعول بالحصول عليه بفرض إرادته بالقوة خسره بمنطق القوة المضادة نفسها في محافظة شبوة التي لم تنتصر للشرعية بقدر رفضها المغامرة بأبنائها وتحويلها الى ساحة حرب وعبث لاصحاب ( المقاولات الصغيرة) ..

هزمت إرادة سلام الشبوانيين رغبات المقامرين بها , وعلى عكس تعبئة ذباب المسالخ الإلكترونية ووعيدها بحرب لا تبقي ولا تذر هناك .. فإن 3 ألوية من النخبة الشبوانية انظمت مباشرة لقوات الشرعية , و 3 الوية أخرى طالبت بالانسحاب بعد محاصرتها , و3 الوية أخرى مبعثرة تترك مواقعها بعد ما رأت من بأس , وأن الفرق شاسع بين التنزه والتفحيط بالمدرعات والشاصات في وقت السلم وبين ساعة الصفر والعسرة.

لم يرغب أبناء شبوة بقتال بعضهم وهذا هو مفتاح هزيمة مشروع الفتنة المناطقية وليس نصرا عسكريا سهلا للشرعية .. اما عشرات الضحايا في (تبة الإرسال) التابعة للنخبة الشبوانية مثلا فكانوا من غير أبناء المحافظة , بل اعتبر ذلك استفزازا وتدخلا من الغير بشؤون بلادهم !!.

* محاذير دخول عدن *

كان من الطبيعي أن تستعيد قوات الشرعية بعد ذلك محافظة أبين بسهولة وتتوغل إلى مداخل عدن ثم تضطر للتراجع أمام غدر مجزرة سلاح الجو الإماراتي في نقطتي العلم عدن (المقدمة) ودوفس أبين ( المؤخرة) .. لكن معالم المعركة الشاملة بمنطق من راهنوا على القوة وحدها قد حسمت عسكريا حتى بدون عدن التي لا ضرورة للحماسة في استعادتها بعد أن تحولت الى دروع بشرية قد تكون ورقة سياسية رابحة شبيهة بما فعله الحوثيون عندما توغلوا في الأحياء المأهولة بالحديدة فمنحتهم ذريعة تدويل القضية والمساومة بها.

كل ما فعلته المبادرة السعودية في محاولة جمع الأطراف بجدة هو تخفيف مؤقت لبعض التصعيدات العسكرية لكنها بدت كمن ليس بإمكانه ضمان التزاماته وفرض الحد الادنى البديهي منها على الأرض مع تمكين الأطراف من جاهزية التحشيد من جديد .. والقنابل الضوئية( القزحية) التي ألقتها طائرات سعودية على احد معسكرات التمرد في ردفان بمناسبة عيد الاضحى أشبه بالعاب نارية في كرنفال .. اما المعسكرات التي تسلمتها اللجنة العسكرية الملكية في عدن فحبر على ورق .. لكن بيان الرياض الأخير ليلة أمس الاول 5 سبتمبر والموقف من الكارثة مشحون بالمطمئنات (البلاغية) لكيلا تخسر معركتها مع الحوثيين .. فالبيان يؤكد على الحوار تحت سقف الوحدة والسيادة الوطنية ودعم شرعية الرئيس هادي , وضد فرض أمر واقع جديد بالقوة , وخطر الاضطرابات والفوضى في اليمن على استقرار المملكة , وتسليم معسكرات ومؤسسات الدولة كشرط لحسن نوايا الطرف الآخر ..

   * نوايا حسنة فقط *

لم تفشل السعودية في مساعيها لأنها حاولت مثنى وثلاثى , ومن فشل هو الذي لم يستوعب دروس المواجهات العسكرية الأخيرة التي حسمت واختصرت الكثير من الحسابات الخاطئة دون حاجة إلى إراقة شلالات الدماء وازهاق الأرواح بالباطل ..

مجلس الأمن أدان انقلاب أغسطس الأخير والاستيلاء على مؤسسات الدولة , والمبعوث الاممي غريفيث في احاطته ايضا أدان العنف والتهجير العنصري لأبناء محافظات الشمال والأضرار الإنسانية والمادية بممتلكاتهم , كذلك ملف إعتداء الإماراتيين على قوات الشرعية وقتل وإعدام ما بين 200 جندي(ارهابي) وأكثر من 150 معاقا وجريحا سوف ينظر قريبا أمام لجنة حقوق الإنسان الاممية رغم سعي المملكة الى وضع هذا الملف في ثلاجة خاصة بعد طلب الرئيس هادي تدخلها فيه اسوة بالملفات اليمنية الساخنة الأخرى التي يراد تعليقها بسبب نهج (الحياد القاتل)..

ولم تتردد الخارجية الأمريكية اليوم في الطلب من الانتقاليين تقدير المبادرة السعودية والالتزام بالبيان الاخير.

يقال إن الحوار بين الشرعية والتمرد وصل إلى طريق مسدود .. ولكنه لم يبدأ حتى ينتهي , بل كان مجرد جولات استكشافية لوسطاء شبيهة بما تفعله أجهزة الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية.

ما يجمع الإماراتيين بحلفائهم المحليين هو طبيعة غموض مطالبهم وعدم الإفصاح عنها ..

* الإمارات والمحنة*

استدعت المملكة الاماراتيين في اللحظات الأخيرة مساء أمس الاول قبل إصدار بيانها الداعم للشرعية لابلاغها عن تراجع الانتقاليين عن التزاماتهم لابو ظبي .. والاماراتيون يعرفون أصل الداء ولا يملكون له الدواء .

لم تصمد شماعة علي محسن وحزب الإصلاح وهيمنتهم على قرار الرئيس وحكومة الشرعية ونغمة إعادة الت

وازن إلى مؤسسة الرئاسة وتقاسم السلطة وحتى ( السلتة) .. ومن البديهي استغلال حلفاء هادي الرئيسيين للسلطة لتعزيز نفوذهم وحماية وجودهم لأن الآخرين تركوا عبدربه منصور يقاتل وحيدا بسيفه الخشبي المحترق وهم يعلنون اعترافهم به (لفظيا) ويطردون قواته وجنوده من معسكراتهم لتخليصه من الإخوان والاخوات الأحياء منهم والأموات!!.

 ولكل شيء ثمنه في السياسة , تماما كما تغدق ابو ظبي على حلفائها بالمال والسلاح ونصرتهم بالحق والباطل وتخاطر من أجلهم الى درجة هيمنتهم على قرارها وارداتها.

لعل مشروع حوارات جدة كانت محاولات أخيرة من المملكة لإحداث اختراقات في جهة المتمردين لكنها لم تنجح أمام مطالب السقف العالي التي حاولوا فرضها , فلم يكن خلافهم على عدد الحقائب الوزارية والمناصب الحكومية وحتى إزاحة الجنرال (العنيد) , فمطالب التمرد أبعد من ذلك بكثير .. ابرزها إقامة دولة مسقلة او استعادة ما كان من كيان دولة شطري قبل 22 مايو 1990 م وهي مسألة مرهونة بإرادة وأطراف دولية كبرى وهيئات أممية حسمت الجدل حولها قانونيا بتثبيت كيان وشخصية دولية واحدة هي (الجمهورية اليمنية) , ولا تختص بها او تقررها او تناقشها وتعيد النظر فيها الرياض او غيرها ..

 اما أبرز مطالب الشرعية فهي إنهاء انقلاب عدن وتسليم المعسكرات والأسلحة المنهوبة ودمج مليشيات الحزام الأمني والانتقالي ضمن قوات وجيش الدولة , وتشكيل حكومة ائتلاف وطني تحتوي كل القوى والتيارات في إطار الدولة الموحدة القائمة .. على ان تمارس الحكومة ومجلس النواب والشورى مهامها من العاصمة المؤقتة(عدن) .. وغير ذلك تبقى مجرد تفاصيل.

لعل اي حوارات في ظل التعارضات المفخخة والحادة للمطالب بين المتمردين والحكومة الشرعية ستفضي الى حلقة عبثية مفرغة لا طائل منها بصرف النظر عن حسن نوايا الأطراف الراعية لها , فلا يتوفر ثمة حد أدنى لأي نوع من تقارب الأهداف والمطالب بين السلطة والمتمردين.

 * الخيارات السيئة *

وحقيقة أن سيطرة الحكومة الشرعية على الأوضاع العسكرية(مؤقتا) في شبوة نسبية لا تضمن مطلقا عدم عودة التمرد اليها او اخماده بما في ذلك ايضا حضرموت التي تغذى فيها الآن النزعات الثأرية والمناطقية في الوادي والساحل بوسائل شتى لتفجير الموقف وإشعال الفتيل بالرهان على بعض معسكرات موالية ومليشيات النخبة المشحونة فكريا بطرد ما تعتبره (الاحتلال الشمالي) لحضرموت.

وتبقى الاحتمالات والخيارات مفتوحة في إعادة تأجيج الصراع المسلح في عدن أبين شبوة وحضرموت والجنوب وتعز أيضا كجزء من خيار لعبة خلط الأوراق كمخرج لفرض أمر واقع ولو لم يعترف به أحد .. لتكون النتيجة دونكيشوتية( علي وعلى أعدائي) فلديهم معسكرات في الداخل والساحل وجنود مدربة ومليشيات قبلية وعتاد فائض.

وسوف تثبت الأيام ما إذا كان ثمة جغرافيا سياسية واصابع خفية خفية تدير الأحداث في اليمن من وراء الستار لترسيم حدود أقاليم الجنوب وتثبيتها بموجب نتائج الاقتتال الأخير ,, اقليم عدن , لحج الضالع , أبين وكذلك ,, شبوة حضرموت المهرة , أم إن الموضوع مصادفة مؤقتة قد تؤدي لاحقا إلى تفتيت وتناثر أكثر للجنوب والشمال معا.

ولعل مؤشرات عديدة تدل على إن الأوضاع الأمنية والعسكرية في ظل تحشيد الاطراف تمضي الى الأسوأ في أبين عدن على المدى القريب خصوصا مع توزع القبائل بين طرفي المواجهة .

 ومن المحتمل انها قد تقف عند ما وصلت إليه حاليا بتدخل أطراف دولية مؤثرة , فيما قد يعاد تصدير وتدوير المعركة ونقلها إلى مناطق (المنبع) الضالع , يافع , ردفان , الحبيلين , لحج لتجنيب مدينة عدن وأبنائها دفع فاتورة اقتتال الآخرين على حسابهم.

والخيار الأخير هو مدى قدرة قوات الشرعية على حسم المعركة بكلفة باهضة قبل أن تصبح مهمة مستحيلة بل وعصية بعد ذلك !!.

  
في الأحد 08 سبتمبر-أيلول 2019 06:54:03 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.com/articles.php?id=44534