متقاعدو ألمانيا الشرقية ومتقاعدو جنوب اليمن ؟
همدان العليي
همدان العليي

مأرب برس - خاص

قال خير من قال ، تعالى و جل ( و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا ) صدق الله العظيم ..

بالرغم من عدم و جود هذه الآية في كتبهم المقدسة لكنهم يعلمون جُل العلم ما معنى وحدة الشمل ، فأصبح غرب القرن الواحد و العشرين يضحون من أجل توحدهم بكل شيء لأنهم قد عانوا كثيراً من التاريخ الدموي الذي نال منهم في السابق ، وهاهم اليوم في عزة و رفعة – اقتصادياً و سياسياً – ما داموا قبضةً واحدة ..!!

استدعاء الإحداث المشابهة بغية المقارنة و أخذ السمين المفيد و ترك الغث المقيت مُمتهن في زماننا هذا ، سواء كان في علم الاجتماع أو السياسة أو حتى الأدب ، و من هذا المنطلق دعونا نقوم بعملية مقارنة بسيطة قد تبلور لنا في سحايا الأدمغة الكثير من التساؤلات التي سيكون على رأسها السؤال الذي يقول ( لِمَ نحنُ بهذا الشكل و لِمَ هُم بذلك الشكل ؟ ) .

قرأت قبل شهر تقريباً بحث متواضع الكم و ثري الكيف ، تحدث عن وحدة ألمانيا و ما كان الثمن و ما هي النتيجة و إلى أين وصلوا ، كان البحث الخاص بالطالب ( محمد المتوكل ) الذي يدرس حالياً في ألمانيا قد وضح بلغة الإحصاء عدة جوانب مهمة تتعلق بمتقاعدين ألمانيا الشرقية التي تم تسريحهم من وظائفهم أبّان الوحدة الألمانية مما جعلني أتوسع قليلاً في البحث في الحدث و في المعلومات و الإحصائيات المهمة التي قدمها الباحث ، كي أطرحها للقراء بعد ما أخذت الضوء الأخضر من صاحب البحث الأولي ..

تم إعلان وحدة ألمانيا المتحدة في 3 أكتوبر سنة 1990م و قد تم دمج دولة ألمانيا الديمقراطية الشرقية أو كما تسمى DDR و التي كانت تنتهج النظام الاشتراكي الشيوعي التابع للمعسكر الشرقي السوفيتي ، و بين ألمانيا الغربية الرأس مالية ..

أعتبر الاقتصاديون توحد ألمانيا عبء كبير على الاقتصاد الألماني ، و الذي أدى إلى بطئ النمو خلال السنوات الأولى من توحدهم ، و قد قدرت تكاليف ( و ليس خسائر ) أعادة توحيد ألمانيا بما يزيد عن 1.5 ترليون يورو و هو ما يزيد عن كامل الديون الوطنية على ألمانيا ككل ، كما و في الوقت الحاضر فلا زالت هنالك تمويلات خاصة تزيد عن 100 مليار يورو لإعادة إعمار أجزاء من ألمانيا و على حساب أجزاء أخرى ،و لا أدري حقاً .. إن كنا في نفس الموقف – اليمن الشمالي و اليمن الجنوبي – هل سترضى مثلاً قياداتنا بالتضحية بمثل هذا مبالغ من أجل الوحدة إذا كان هذه الأرقام معروفة قبل عام 1990 أنه ثمن الوحدة ؟ أم أن طبيعة العرب الجشعة ستمنعهم ؟

بحكم أن النفس البشرية بفطرتها تحب الأكثر ، و بسبب بعض السياسيات الإقصائية في ألمانيا الاتحادية حالياً ، ظهرت بعض الفروق الاجتماعية بين الألمان الشرقيين و الغربيين ، كما قد انتاب – و لا زال – كثير من الشرقيين شعور بتغير أحوالهم إلى الأسوأ بعد الوحدة بل و يتمنى البعض منهم عودة الحكم الاشتراكي لأنه كان يوفر لهم القوت و ما أشبه ما يحدث اليوم في جزء من أوروبا بما يحدث في شبه الجزيرة ! مع اختلاف أنهم لا ينادون بانفصال كما حماقتنا هنا ..!

و كما كان في جنوب اليمن قبل وحدتها ، كان الإتحاد السوفيتي هو الداعم الرئيس لألمانيا الشرقية ، و بعد وحدة الطرفان أبّان سقوط الاتحاد السوفيتي واجهت السلطة الألمانية معوقات استيعاب كثير من الأيدي العاملة التي برزت من ألمانيا الشرقية أثر توقف دعم الروس و التي كانت تعمل في مؤسسات و هيئات و مصانع الحكومة و هم في الأصل بطالة مقنعة دون عمل حقيقي لأن هذه المؤسسات لم تكن تعمل وفق أسس اقتصادية حرة و إنما كانوا يقبضون رواتبهم من الحكومة الموهوبة من السوفيت ، و لهذا اضطرت السلطات الألمانية إغلاق هذه المؤسسات و بالتالي ارتفعت نسبة البطالة في ألمانيا الشرقية عند تسريح أغلب موظفيها و التي وصلت إلى 40% بالرغم من أن العمالة الشرقية أكفأ بكثير من الغربية و يرجع ذلك لنسبة التعليم التي تفوق الجزء الغربي من ألمانيا و قد كتبت أحدى الصحف الألمانية عن التسريح كما في التالي :

الروابط :

http://www.cyemen.com/up/uploads/73693fa508.bmp

 و التي تعني أن كل ثاني مواطن شرقي يتوقع البطالة بحسب المصدر ( ايسلينقر تسايتونغ 2 يوليو .. أيضاً كما أشار تقرير لشركة دراسات ألمانية عن تسريح الموظفين الشرقيين :

  http://www.cyemen.com/up/uploads/af474ae914.bmp

 المصدر: Gesellschaft fuer Deutschlandforschung e.V

بصورة عامة انخفض عدد الوظائف في القطاع الصناعي من 1.2 مليون فرصة عمل إلى 200.000

أي أنه تم تسريح أكثر من 80% من الموظفين نتيجة عدم مقدرة الحكومة على تحمل هذا العدد الكبير من الموظفين

لم يكن الوضع بعد عشر سنوات من وحدة ألمانيا أفضل من بداياتها ، فقد أشارات المؤشرات بأن هناك فرق كبير في نسبة البطالة بين ولايات ألمانيا الشرقية و الغربية في عام 2002 :

  http://www.cyemen.com/up/uploads/ec92a7c935.bmp

ففي الرسم البياني أعلاه كانت الولايات الست الأولى – من الأعلى – هي ولايات شرقية و فيها نسبة بطالة أكبر بكثير من الولايات الغربية التي تلتها تنازلياً !

و لم يتغير الوضع في عام 2004 كما في الرسم البياني التالي :

http://www.cyemen.com/up/uploads/399151d6db.bmp

و من الطبيعي جداً و على أساس الإحصائيات أعلاه سيكون للولايات الشرقية النصيب الأكبر من نسبة الفقر ، مع تأثر الولايات الغربية اقتصادياً بسبب اقتصاد الشرق الركيك و عدم تلاشي عقلية الاعتماد على الحكومة في التموين لتلك الولايات الشرقية بين الناس ! و هذا الشكل البياني يوضح نسبة الفقر من بعد الوحدة الألمانية إلى فترة قريبة :

http://www.cyemen.com/up/uploads/46fac84f9e.bmp

المصدر: Bundeszentrale fuer politische Bildung

أشار الخط الأخضر في الأعلى الفقر في الشرق بعد الوحدة

و كما نلاحظ كيف أنه يبدأ بـ 22% بعد الوحدة نتيجة التسريح من الوظائف و إلخ ، أما الخط الذي في الأسفل فيمثل الفقر في الغرب قبل وبعد الوحدة ، كما نلاحظ أيضاً تأثر الغرب سلباً بالوحدة و بهبوط ملحوظ مقارنة بالشرق ..!!

لم تقتصر سلبيات وحدة ألمانيا على هذا فحسب ، بل أظهرت دراسة محايدة في عام 2006 عن الحدث توضح أن المتقاعد الغربي يستلم أكثر من الشرقي !! بفارق 126.30 يورو في الشهر الواحد كما يُظهره هذا الشكل البياني :

http://www.cyemen.com/up/uploads/923c00010a.bmp

أيضاً قدم مجموعة نواب في البرلمان الألماني تقريراً في 2007 يُشير إلى أن الفرق بين مرتب الموظف الشرقي و الغربي هو 12% :

http://www.cyemen.com/up/uploads/da330fa92c.bmp

أذعن بعدم تكافئ المقارنة بين وطننا و وطنهم ، لعدة عوامل على رأسها : اختلاف مطلق في نسبة الوعي بالإيجاب للطرف الألماني و الاختلاف النسبي في الإمكانيات و القدرات – مقارنةً بعدد السكان - بالموجب أيضاً لصالح الألمان ، و لكن أوردت هذه المعلومات لكي أبحث عن إجابات و تبريرات شافية عن ما يحدث في جنوب اليمن من مناداة بانفصال ! و تحميل الوحدة و الوطن أخطاء فردية لا أكثر ، و إذا ما قارنا ما يحدث اليوم في الدولتين اللتين توحدتا في نفس العام لوجدنا سلبيات لكلتا الوحدتين و لكننا في اليمن و بكل سخف نريد تمزيق هذه الوحدة و بعكس ألمانيا ! فبالرغم من أن الشرق ألما نيون متعلمون بنسبة اكبر من الغرب ألمانيين ، و بالرغم أن البطالة في الشرق أكثر بكثير من الغرب ، و بالرغم من أن مرتبات المتقاعدين الشرقيين أقل بكثير من مرتبات المتقاعدين الغربيين ، و بالرغم من وجود تمييز بين الألماني الغربي و الشرقي لصالح الأول حتى في المناصب السياسية إلا ما حدث مؤخراً من تولي ' انجيلا ميركل ' يوم 22 نوفمبر 2005 أول مستشارة لألمانيا و أول مستشار لجمهورية ألمانيا الاتحادية من شرق ألمانيا ، و بالرغم أن هناك صحف و مجلات و حتى إذاعات تتحدث عن التمييز مثل : (صحيفة شبيغل الألمانية ) و التي كتبت مادة باسم ' عبء ألمانيا الشرقية: ثمن الاتحاد الفاشل ' و بالرغم من تعدد المذاهب و حتى الديانات – المسيحية ، اليهودية ، الإسلام – و بالرغم وبالرغم و بالرغم .. إلخ .. لم نسمع قط أصوات تصدح و تطالب بتمزيق وطنهم و وحدتها !! لأنهم و كما قلت في بداية المقال يؤمنون بأن الوحدة قوة و إن نضحت سلبيات منها ، كما أنهم لا يريدون تفككهم و توغل الاحتلال في أراضيهم من جديد – اقتصادياً و سياسيا- بعد فشل وحدتهم التي كانت عام 1871م و التي فتحت المجال لما يسمى القوى الأربعة ( فرنسا و المملكة المتحدة و أمريكا و الاتحاد السوفيتي ) لنهش لحمها .

و في المُقابل – يمنياً – بالرغم أن الفقر استفحل في شمال و جنوب اليمن ، و بالرغم أن الفساد مستشري في شمال و جنوب اليمن ، وبالرغم أن بطش الظلمة في شمال و جنوب اليمن ، و بالرغم أننا مسلمين و نقرأ هذه الآية ( و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا ) في صلواتنا ، وبالرغم أننا نتكلم العربية جميعاً و لدينا نفس الثقافة ، و بالرغم أن المناصب السياسية متكافئة و على أساس الميثاق الوطني المستند على عدد السكان ، حتى أن ألقاب العوائل تتشابه في جنوب وشمال اليمن و بالرغم و بالرغم وبالرغم .. إلخ ، نسمع أصوات تصدح بالانفصال و الله المستعان !

أخيراً و ليس آخراً .. هذه بعض الأسباب التي قد يكون لها شأن في تأجج الوضع في الجنوب و ارتفاع أصوات نشاز تنادي بالانفصال في رأيي و رأي بعض المتابعين :

1- الفقر و تردي المستوى المعيشي

2- الفساد و حكم الفيد و الغنيمة

3- عدم تطبيق معياري الحساب و العقاب

4- افتقارنا للوعي الكافي ، فلازلنا دولة القبائل و المشائخ

5- وجود قوى خارجية إقليمية و عالمية تدعم الفتن بخلاف ألمانيا ، فهي دولة عظمى و لا يوجد من يغذي و يُهيج و يثير الفتن ، و هذه القوى هي المستفيدة الأولى من هذه الفتن و لها اليد في تسييس قضية المتقاعدين بمساعدة بعض من أبناء الوطن .

6- أن الشعب اليمني هو جزء لا يتجزأ من الوطن العربي و معروف عن العرب أنهم يتمتعون بقدر كاف من الأنانية و حب النفس و التفكير بمصلحة الجماعة و التخلي عن مصلحة الوطن و التراب ككل كما أشرت في مقالي السابق في الفئات (الفسيفسائية ) و امتهان أحقر المهن للوصول إلى الهدف و البغية و حتى لو كان الثمن التنصل تماماً من الهوية اليمانية الأصيلة و طمسها كما يروّج و يقول به أصحاب ' تاج ' و ما قالوا إلا شططا .


في الإثنين 04 فبراير-شباط 2008 07:19:25 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.com/articles.php?id=3292