أليس لدينا ضباط شرفاء
عبدالباسط الحبيشي
عبدالباسط الحبيشي

تؤكد البيانات والإحصائيات الموثقة بأنه يوجد في المؤسسة العسكرية اليمنية على الأقل أكثر من ثلاثين ألف ضابط يحملون رتب ومؤهلات عليا بالإضافة إلى خبرتهم وخدمتهم الطويلة  في الجيش والأمن ، ويقيناً أنه بناءًا على هذا يوجد على الأقل خمسة ألاف ضابط من هؤلاء الضباط رجال شرفاء يتمتعون بالأمانة والصدق والحرفية والمهنية وحب الله والولاء للوطن. لذا فمن هذا المنطلق وبكل براءة نسأل مباشرة الذين يدعون حماية الثورة .. الا يوجد في مؤسستنا العسكرية رجال شرفاء قادرين على حماية الثورة غيركم؟؟ لو أفترضنا جدلاً أن تدعونه صحيحاً!. ألا تمتلك اليمن من بين هذه الآلاف المؤلفة شمالاً وجنوباً غرباً وشرقاً عشرات "فقط” من الرجال النبلاء الذين يستطيعون أن يتحملوا المسؤولية ليكونوا قادة لهذه المؤسسة؟؟!! وإذا لم يوجد غيركم فماذا كنتم تعملون خلال الثلاثة العقود الماضية؟ وماذا عملتهم بالميزانيات الضخمة التي كانت تصرف لكم ولهذه المؤسسة؟؟؟.

ما يستدعي طرح هذا السؤال المقدم البسيط وربما الساذج ولكنه قد يكون غائباً عن عقول الكثيرين من المجتمع اليمني هو أنه يتلخص في أن عملية هيكلة الجيش القائمة حالياً برئاسة الرئيس عبدربه منصور هادي وعرقلة البعض لها والإصرار على الإستمرار في قيادة الجيش والأمن .. تبدو كما لو أن اليمن خاليٌ من الرجال القادرين على تحمل المسؤولية في زمن هو من الأهمية بمكان إلى إبعاد كل المتنفذين عن هذه المؤسسة وهيكلتها فضلاً عن توحيدها على إعتبار أن هذه الخطوة تكتسب أهم الأولويات في عملية التغيير .. من دولة الفرد والقبيلة .. إلى دولة المؤسسات ، وهذا يفسر لنا المعارضة الشديدة لهذه الخطوة من قبل الحرس القديم برئاسة الجنرال علي محسن مدعوماً بالقبيلة وبالذات قبيلة حاشد التي سيطرت على النظام الحاكم خلال العقود الماضية منذ قيام ثورة سبتمبر 62 وبدعم إقليمي وخارجي معروف وحتى الآن.

لذا فإن من حق الشعب اليمني ، وعلى خلاف مايردده الكثير من المتشائمين أو المستسلمين او الناعقين الذين يشككون بموجودية الثورة أصلاً ، أن يعتبر بأن ثورة التغيير الحقيقية في اليمن لم تبدأ حتى الآن بشكل فعلي إلا من خلال هذه الخطوة الهامة وهي هيكلة ومأسسة الجيش والأمن شريطة أن تبدأ بالتخلص من سلطة الحرس القديم بقضهم وقضيضهم وقبيلتهم التي سيطرت بالكامل على كيانها وإستقلالها الوطني منذ عقود .. مالم فإن اليمن ستراوح مكانها كما راوحت منذ إعادة الوحدة اليمنية ، بإعتبار أن المؤسسة العسقبلية هي من وقفت أمام إعادة الوحدة اليمنية ودمرتها في عام 94 ، وبنفس الروح تريد نفس هذه المؤسسة تدمير الثورة الشبابية والشعبية وإعادة إنتاج نفسها مرة أخرى عن طريق إمتصاص الضربة وإختراق الثورة من خلال الإدعاء بحمايتها كما يرفلون.

ومع ذلك فالحق يجب أن يقال بأن بعض عناصر الحرس القديم ومن ورائهم القبيلة قد ساهمت إلى حدٍ ما في إزاحة الرئيس السابق علي عبدالله صالح عن الحكم بشكل ظاهري ، إلا أنها أرادت من ذلك أن تؤول هذه المساهمة بما آلت إليه ثورتي سبتمبر وأكتوبر والوحدة اليمنية بإبقاء اليمن على غرار الحضيرة الخلفية كما هو عليه الوضع الكارثي الذي عشناه خلال العقود الماضية بل وأسواء من ذلك. ومن هذا المنطلق فإن على الشعب اليمني أن لا يقبل بأنصاف الحلول من خلال مجاملة أو إسترضاء هؤلاء البعض او إعادة تدويرهم مهما كانت الضغوط الإقليمية ، حتى لا يعودوا لنا مرة أخرى من النافذة كما عادوا في الثورات السابقة.

ومن ناحية أخرى وإستشهاداً بما قاله الرئيس جون كينيدي في الستينيات من القرن الماضي: "من يجعلون الثورات السلمية صعبة .. يجعلون الثورات العنيفة حتمية". وماشهدناه في الأسبوع الماضي في محافظات الجنوب اليمني الحبيبة والعزيزة على قلوبنا من إحتفاء كبير بالذكرى السنوية للتصالح والتسامح يعد بحد ذاته ثمرة من ثمرات الثورة اليمنية السلمية العظيمة بكل ماتعنية الكلمة من معنى بغض النظر عن إيجابية أو سلبية الشعارات التي رفعت خلال هذه التظاهرة بإستثناء ما أجمع عليه الكل وهو "نبذ مخلفات الماضي بكل كوارثه ومآسيه وأنظمته وحتى شخوصه" ، كما تقدم رسالة ضمنية وقوية لا تخص الجنوب وحسب بل وبالذات الشمال أيضاً .. بمعنى أن على النظام السابق بكل أدواته وآلياته أن يحترم نفسه ويرحل ، ولكل من يزال متمسكاً بالسلطة عليه أن يترجل بهدؤ ودون شوشرة ، مالم فإن ما قد يبدو سلمياً الآن سيصبح عنيفاً لاحقاً.

وعلى نفس السياق يتم الإعداد لجلسة إستثنائية لمجلس الأمن في صنعاء لتؤكد على نفس الرسالة بصرف النظر عن إستراتيجات قوى هذا المجلس التي نختلف معها ، بيد أنها موجهه هذه المرة للقوى الإقليمية التي قامت بالمخططات والمؤامرات القديمة ومازالت تحاول مجدداً في إستهداف اليمن بأنه ينبغي عليها أن تقلع عن سياساتها السابقة التي لم تعد مجدية في الزمن الراهن كون المجتمع الدولي عازمٌ على بناء"دولة" يمنية وليس حضيرة خلفية ، ولم يعد تحويل النظام الجمهوري إلى جملوكي أو وراثي ممكناً بعد الآن ، ولم تعُد الإنقلابات على إرادات الشعوب والإستخفاف بها أمراً سهل المنال.

ومن هذا المنطلق فبالرغم من الخصوصيات الثورية المختلفة لكل دولة عربية على حدة التي تتبلور وفقاً لإهميتها التاريخية والجيوسياسية والإقتصادية والإجتماعية إلا أننا نجد أن عمليات التغيير تسير بوتيرة قوية ومتدرجة برغم كل التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها كل واحدة منها على حدة مع ملاحظة هامة بأن الشعوب العربية في كل دولة ماتزال في بداية عنفوانها رغم كل التدخلات الداخلية والخارجية.

ومن لديه شك في ذلك فليلقي نظرة لما حدث بالأمس بميدان التحرير في القاهرة ، وقد ظن البعض بأن ثورة 25 يناير قد أنتهت بإختطاف الإخوان المسلمين لها. وعلى نفس المنوال يتم دحر الإرهابيين والمرتزقة من سورية ساعة بساعة ، وقد ظل البعض يردد منذ عامين تقريباً بأن نظام الأسد ، الذي يدافع مع شعبه على سورية الصامدة ، قد انتهى. أليست القوى الإقليمية التي ترتكب الآن الجرائم في اليمن وتحاول إجهاض عملية التغيير من خلال تعطيل هيكلة المؤسسة العسكرية وتوحيدها هي نفسها التي ترسل الدفعات الإرهابية تلو الأخرى من اليمن وغيرها إلى سورية لتدميرها وقتل شعبها؟!!

همسة :

مما سبق يتضح لنا أن ما تعارف عليه بالربيع العربي في بداية العام 2011 مايزال ربيعاً في براعمه الأولى المقفلة ولم يُشبَه لهم كما أعتقد بعضهم عن جهل بتاريخ الثورات ، وما شهدناه حتى الآن ماهو إلا إرهاصات أولية لعمليات ثورية ماضية ومنها قادمة في سلسلة تراكمية تراتبية لتحقيق التغيير المنشود في عموم الوطن العربي مما يدحض قول أحد المبتدئين في صفوف المراهقة السياسية من أنه "ليس ربيعاً ولا عربياً ولكن شُبه لهم" في أحد مقالاته بهذا العنوان وكأن الثورات بالنسبة له عبارة عن سهرة صباحي ينجلي ظلامها في اليوم التالي الذي يليها.

bassethubaishi@yahoo.com


في السبت 26 يناير-كانون الثاني 2013 06:11:29 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.com/articles.php?id=18983