ما هكذا يكون التصالح
حميد عبدالحميد الهتار
حميد عبدالحميد الهتار

التصالح سمة عظيمةٌ وإحدى القيم الدينية والإنسانيةِ التي رغب فيها ديننا الحنيف في أكثر من موضع اذ أنها من القيم العليا لطي صفحات الكراهية والشعور بالغبن وتصفية النفوس من شوائب الأحقاد العالقة بها وهي مزيةً تدل على علو همةِ صاحبها ونقاء سريرته .

ولقد نالت الفعالية التي أقيمت بمحافظة عدن في ذكرى 13 يناير التي جعلت محطة تصالحٍ وتسامح ونالت تلك الفعالية رضى الكثير من المهتمين وحظيت بالمباركة الرسمية من قبل الحكومة املاً في ان تكون هذه الذكرى انبعاث تصالح شامل في عموم الوطن اليمني لطي صفحات مآسيه الماضية. وهذا ما نحاول ان نقنع أنفسنا به في حين ان مقيمي تلك الفعالية لهم مفهومهم المغاير والمعلن من إقامتها.

وعلى كلٍ فما أجمل من أن يكون التصالح والتسامح حقيقياً يبعث روح الألفة والوئام من جديد تصالحُ من أجل الوطن .تصالحُ ذو صبغة وطنيةٍ ومرجعية دينية تدعو الى الوحدة ونبذ الشتات والفرقة بين أبناء عموم الوطن. يحمل دلالات الصفاء وينبذ عفن سياسات الماضي ويتجاوز كل صراعاته ومآسيه ويرسخ ثقافةً يمنيةً جديدةً يسودها التسامح وطي صفحات الماضي الأليمة في عموم الساحة اليمنية وليس مقصوراً على فئة او جماعة. ودعوةٍ حقيقيةٍ لإعادة اللحمة ورأب التصدعات التي أحدثتها مآسي صراعات ساسة الماضي وليس تصالحاً يقصد منه تعزيز الشروخ وفكفكة أعضاء الجسد اليمني الواحد.

ولا ضير أن يولد التصالح والتسامح مجزءاً وحسب تواريخ المآسي والنكبات منذ فجر الثورة اليمنية الأم وبدايةً من جنوب الوطن لتكون فعالية عدن نبراساً يهتدي به الآخرين في الشمال والجنوب لتضميد الجراحات لكننا وجدنا فعالية تصالح 13من يناير مقصورةُ على رفاق ماقبل تلك المأساة .ومحاولة لإيجاد جبهةٍ تصالحيةٍ في مواجهة الوحدة الوطنية والتمترس خلف دعوات فكفكة الوطن .

وإذا كانت هذه الفعالية نواة تصالح في الجنوب ومنطلق لمصالحة يمنية شاملة كما يعتبرها البعض فقد كنا نتمنى ان تكون تلك الفعالية في ذكرى 13 يناير مصالحةً وطنية جنوبية شاملة تضم جميع أطياف الصراعات السياسية في جنوب الوطن منذ فجر ثورة الـ 14 من اكتوبر1963م ولم تكن مقصورة على رفاق الطغمة والزمرة الذين أطلقوا على بعضهم البعض تلك التسميات .

تمنينا ان يكون تصالحاً جنوبياً شاملاً من حيث ان تشمل تلك الفعاليات في البداية مؤتمراً تصالحي لكل الماضي الجنوبي بدءاً بجبهتي النضال اللتان قادتا عمليات تحرير الجنوب . أعني جبهة التحرير والجبهة القومية ( الحزب الإشتراكي) إذ أن الخصومة السياسية وجراحات الأحداث والمواجهات الدامية التي دارت بينهما لازالت عالقة في الذاكرة السياسية اليمنية الجنوبية وواقعاً لازالت أثاره مشهودة . فلقد نتج عن المعارك الطاحنة التي دارت بين الجبهتين مآسٍ محزنة في صفوف رفاق النضال الواحد ضد المستعمر البريطاني لاسيما الصراعات الدموية التي دار رحاها في لحج ودار سعد والشيخ عثمان في الفترة من 1-6 نوفمبر 67م . تلك المعارك التي كان مبعثها الصراع على تسلم سلطة الإستقلال في الجنوب من السلطات البريطانية والتي كانت كلا الجبهتين تعتبر نفسها الممثل الشرعي الوحيد لشعب جنوب اليمن. وكانت نتيجة تلك الصراعات عشرات الضحايا .

وعندما تسلمت الجبهة القومية اسقلال الجنوب اليمني وقيامها بالوثوب على المقرات الحكومية المدنية والعسكرية والمطارات قامت على الفور بمطاردة مناضلي وكوادر جبهة التحرير وإقصائهم من الجيش والشرطة والجهاز المدني وفر الكثير من قادة الجبهة الى شمال الوطن واحرموا جني أية ثمرة من ثمار نضالاتهم.

واذا كان لتلك الفعالية مشروع تصالحي جنوبي فقد كنا نتمنى ايضاً ان يدعى الى ذلك الوفاق المزعوم جميع مشائخ وسلاطين المحميات الذين أقصوا عن سلطناتهم وإماراتهم وتم التنكيل بهم وفروا بجلودهم الى خارج الوطن ونهبت وأممت ممتلكاتهم وصودرت وثائق سلطناتهم ولم يعد البعض منهم او من ابنائهم الى وطنه إلا بعد قيام الوحدة المباركة وهذا بغض النظر عن تأريخهم السلاطيني وحكمهم الرجعي وعمالتهم للمستعمر ما دمنا نريد طي صفحة الماضي فهم في كل الأحوال من أبناء الوطن.

لماذا لم تكن هذه الفعالية إلا مهرجاناً فرائحياً للجلادين ومأتماً لذوي الضحايا الذين لم يدعون للحضور والمشاركة بل وهم الغير راضين عن قيام مثل هكذا فعاليه لكونها كرنفالاً يسوده الرقص والغناء والأهازيج في حين أنها بالنسبة لهم ذكرى مأساة أليمة أودت بحياة ما يربوا على العشرة آلاف قتيل وآلاف الجرحى والمصابين والبعض مفقود الى الآن ولا يدري ذويهم شيئ عن مصيرهم. ناهيك عن الصراعات التي تلت ذلك داخل منظومة الحكم السياسية في الجنوب من اغتيالات الرؤساء فالرئيس الشهيد سالم ربيع علي لا يعلم أين دفن جثمانه الى الآن.

ان ما أوردناه هنا ليس تذكيراً بمآسي الماضي بقدر ماهو دعوة لمراجعة نمط التفكير الحالي عند البعض تجاه قضايا الوطن ومراجعة الدواعي النفسية لدعاوى فك الارتباط والشعور بالمسؤولية التأريخية تجاه الأجيال اليمنية القادمة وايقاظاً لضمائرٍ وطنيةٍ وحدوية عرفها الوطن منذ خمسينيات القرن الماضي من خلال نضالات وفعاليات عدنيةٍ وحدوية حقيقية مضمخةٍ بالنزوع الى ذات الوطن الواحد وليس الى مصالح شخصيةٍ ضيقةٍ ومشاريع صغيرة تقزم الوطن الكبير وتهدف الى تقطيع أوصاله فعاليات عدنية وحدوية اصبح الوطن بأمس الحاجة إليها في هذا الظرف الذي يمر به الوطن حالياً وليس فعاليات يقصد منها الانتصار للباطل من خلال رفع الأعلام الشطرية وشعارات الفرقة والشتات.

تمنينا لو كانت ذكرى التصالح والتسامح هي الذكرى الثانية للثورة الشبابية السلمية .فعالية جامعة وانطلاقة حقيقية نحو يمنٍ متسامحٍ متصالح داخل الجغرافيا اليمنية ودعوة إصلاح لما أفسدته سلطات الماضي في شمال الوطن وجنوبه ولتكن الـ13 من يناير محطة اعتبار تدفع بنا نحو المستقبل وتبعدنا عن الانجرار الى مآسي الماضي وتزودنا بروح الألفة والوحدة ؟. .


في الخميس 17 يناير-كانون الثاني 2013 05:43:02 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.com/articles.php?id=18854