الذات المبتورة
اسامه عبد الرحيم
اسامه عبد الرحيم

قصة قصيرة

متثاقلاً فوق سريره تتدلى ساقه على الأرض..على بوابة يوم ربما يمر بهدوء تستوقفه أعماله الروتينية..نفس الملابس يجب أن يرتديها والتسلح بتلك الكلمات الليبرالية التي لا تعني له شيئاً..والملامح..نعم الملامح..يجب أن يبدو ليبرالياً في تسريحة شعره...وان يضع تلك التوكة اللعينة التي تميز القطيع الذي ينتمي إليه..لم ينس "الغويشة" البلاستيك التي يضعها حول معصمه.

يضع نظارة شمس على عينيه التي تظل منتفخة حتى الظهر..اللعنة على الصنف كم هو ردئ ولم يعد يعطيك سوى تورم العينين..دون متعة كالتي يحكي عنها ملك الحشيش أحمد فؤاد نجم..نفض السجال عن رأسه وهو يلوك نفس اللبانة التي كانت معه بالليل..يعود السجال إلى رأسه ويسأل نفسه عن هويته..يخرج حافظة نقوده..يتأمل بطاقة الرقم القومي الصادرة من سجل مدني المعادي..يمتعض حينما تقع عينه على عبارة مسلم.

يتمنى في قراره نفسه أن لو كان ميتاً ثم يبعث مرة أخرى على دين بوذا..يتمنى أن تمنحه الدولة شهادة وفاة..تفحص وجهه في المرآة لبرهة وقد توقف عن مضغ اللبانة ثم تطلع إليّ ذاته ثانية..ثم عاد إلى مضغ اللبانة ومضغ معها سؤالًا ألح على عقله: " كيف وصلت ذاتي إلى هذه الدنيا؟ "..أجاب وهو ينظر إلى انعكاس وجهه في المرآة " لا أدري من أين أتيت" .!

يطأ بمشط رجله على الأرض فيفعص بقع النور بينما يحل المساء .. تلفظه عتبات المعقول فيأكل خبز الوهم على رصيف الملذات..و يتسلى بمراقبة ذاته وهي تحترق دون جدوى.

في الآونة الأخيرة بات يعاني من تسريب في أحد شقوق عقله..ذات الصراخ والهتافات المختلطة..يحلم دائماً بأنه يمزق المصحف في داخله..ويتلوى في النفور من ذاته كالغريق الذي يحرق الماء رئتيه.

في ميدان التحرير حمل لوحة خط فيها كلمات (قل يا أيها الإخوان لا اعبد ما تعبدون لكم مرشدكم ولي دين)..لم يخشى إن يضبطوه و هو يسب الدين على حسابه في الفيس بوك لكل الإسلاميين..هو يكرههم جميعاً..سلفيين وإخوان..لا يعرف إن كان ورث هذا العداء من والده الذي كان شيوعياً أم من حضوره ندوات الكاتب عبد المعطي حجازي..هو لم ينتسب إلى حزب حتى الآن..يعرف المتعرية علياء المهدي وهي نصحته بألا ينتمي إلى أي حزب حتى ولو ادعى انه ليبرالي..لأنهم جميعاً يقولون نفس الشئ..ويمتصون عرقك حتى آخر نقطة..لأجل ذلك غرد في تويتة (لمن الملك اليوم..للشعب الواحد القهار).!

نزل إلى الشارع في طريقه إلى ميدان التحرير وفي إذنه تتردد كلمات عمرو أديب "متخفش منهم..البلد بلدنا ودول خرفان"..يحمل لوحته في يده وزجاجة المياه المعدنية في الحقيبة التي يحملها على ظهره..لم ينس شيئاً وهو ذاهب إلى الميدان حتى انه تبسم حينما تذكر ذلك الفيديو الذي ظهر فيه ممدوح حمزة يعرض شراء 100 كلوت للقوى المدنية المعتصمة ضد الرئيس مرسي في التحرير.

في الميدان حمل إحدى رفيقاته التي ترتدي الجينز على كتفه وطاف بها وهي تهتف ضد الإخوان..الإسلاميين يحلوا لهم التعليق على ذلك المشهد بأنه التصاق يبعث على الشهوة..مساكين أولئك "الإسلامويون" كما يسميهم علاء الأسواني..لا يعلمون أن تكرار الحرام يجعل الأمر مملاً وكأنك تتناول نفس الطعام كل مرة..لم ينس أن يرفع لوحته عالياً ويضعها في عين الكاميرات..في الليل غادر الميدان متسكعاً كعاهرة تحت ضوء المصابيح..!

ينتقل من قهوة إلى الأخرى ومن شارع إلى شارع.. يحكي هنا حكاية ويسمع هناك حكاية أخرى..يمر بجوار قهوة التكعيبة في شارع شامبليون وتتبول على رأسه أجهزة التكييف فينظر إلى السماء ويلعنها.. يتوقف مرتجفاً يتخيل جماعة الأمر بالمعروف التي قيل أنه منصوص عليها في دستور الغرياني تأتي إليّه بعدما نجحت في أن يكون منها رئيسا للجمهورية..سيسلخونه وربما يكتفون مؤقتاً بجلده..يخشى أن يعتقله جهاز أمن الدولة الإسلامية وهناك يسألونه السؤال الذي يسمعه كل ليبرالي "هل تحب الله"..ويخشى أن يجيب وهو يسبح في غيبوبة الترامدول "بل أحب ليلى أكثر" فتكون تلك نهايته.!


في الإثنين 03 ديسمبر-كانون الأول 2012 12:12:58 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.com/articles.php?id=18277