يومان وليلتان في مدينة اسطنبول 3-2
بقلم/ أ.د. محمد معافى المهدلي
نشر منذ: أسبوعين و يومين و 15 ساعة
الثلاثاء 18 نوفمبر-تشرين الثاني 2025 05:06 م
 

"مدينة المآذن والحالة الأردوغانية"

 

حديثي إليكم أيها الأصدقاء في هذه الحلقة الثانية، عن مدينة المآذن، اسطنبول، وعن الحالة الأردوغانية في تركيا، وفي الحلقة الثالثة والأخيرة بمشيئة الله، سأخصصها للحديث عن الحالة الزندانية، في اليمن، من وحي وإلهامات مؤتمر الشيخ الزنداني - طيب الله ثراه- تراثه وفكره.

 

سبق القولُ الجميلُ - في الحلقة الأولى- عن المساجد في مدينة اسطنبول، والتي تستحق بحق أن يفرد لها سلسلة من المقالات، لولا أنّ موضوعنا عن المدينة اسطنبول وليس عن مساجدها، لولا أنّ مدينة اسطنبول يسميها البعض "مدينة المآذن" لكثرة وجمال مساجدها المخدومة والرائعة، فالأتراك يجلسون أوقاتًا فيها طويلةً لروعتها وجمالها، ولما فيها من تراتيلَ وأذكارًا وتسابيح قبل الصلاة وبعد الصلاة، ودفئٍ حسن وقلوبٍ صافية.

 

المسجدُ الذي نصلي فيه أشبه بجامعة، يتألف من أربعة طوابق، وقبابٌ ضخمةٌ، وفي المسجد منبرٌ ضخمٌ محلى بنقشات فاخرة، وآي الذكر الحكيم تُزين سقف المسجد ومحاريبه، وحول المسجد حديقةٌ غنّاء جميلة جدا، تليق بالمسجد، ومقهىً، وأرضيات المسجد في المدينة عمومًا إذا سجد المصلي عليها وجد التدفئة، تلامس وجهه وقدميه، فقد تمّ توصيل التدفئة كهربائيًا، إلى أرضيات المسجد، فلا يشعر المصلي بأيّ برد أو مشقة، سيما أيام وليالي البرد القارص التي يتنزل فيها البرد كل شتاءٍ، ويغطّي كل المدينة بلونه الثلجي الناصع البياض.

في الطريق إلى المؤتمر تأسرك المباني الزجاجية الشاهقة، والمرصوصة رصًا هندسيًا وعلميًا فريدًا، لتتعرض جميعها لأشعة الشمس، وفي الليل تتراءى لك الإضاءة من بُعدٍ فتظنّها نُجُمًا لامعًا، وهي قناديل معلقة في جدار أو سقف في عمارةٍ شاهقة البنيان، وفي بعض المواقع تجد عددًا من المجمّعات السكنية العمرانية الشاهقة، وهذه المجمّعات السكنية أكثر من أن تحصى.

 

 المدينة اسطنبول تحتضن أكثر من (٢٠) مليون نسمة، عدا الوافدين والسوّاح الذين يصل عددهم زهاء ال (٣٠) مليون نسمة سنويًا، في مختلف أنحاء تركيا العدالة والتنمية، وتقطع المدينة من أقصاها إلى أقصاها في ساعاتٍ من السعي الحثيث بالسيارة. 

 

الأعداد المليونية الهائلة التي تقصد مدينة اسطنبول إنّما هو لما حبا الله هذه البقعة من الأرض من أسباب الجمال الساحر والأجواء المطيرة، والنّعم الزاخرة، والقوة والحكمة الأردوغانية، والخدمات الراقية والمتوفرة، والأجواء الآسرة، والتراث العريق، والثقافة التركية العميقة، فضلاً عن الحريات والأمن والسلامة، التي تنعم بها البلاد في مختلف أنحائها وأرجائها.

 

المدينة يرتادها للسياحة العلمية أو الترفيهية أو التجارية مختلف الأجناس والثقافات البشرية، من سلفيين وإخوان، وليبراليين ومحافظين، ومنفتحين، ويساريين وإسلاميين، وخليجيين وأوروبيين وساسة وتجارا، ومن المشاهد التي رأيتها في المطار حالتان لرجل يمشي بكلب له والرجل له أقراط في أذنيه وأنفه، وامرأة تحمل كلبًا لها وتتمسح به كأنها أرضعته أو هما أخوان شقيقان!!.

ومن المهم جدًا في هذا السياق أن أشير إلى أنّ حزب العدالة والتنمية برئيسه الهُمام رجب الطيب أردوغان، استطاع أن يُحَوّل تركيا في غضون (٢٠) عامًا فقط، إلى دولةٍ من دول العالم الأول وفي المرتبة التاسعة، عالميًا، صناعيًا وعسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا.

 

 أثناء إقامتي في فندق بحي الجمهورية، تجوّلتُ في محلٍ للمواد الكهربائية والخردوات، فوجدتُ معظم المواد الاستهلاكية صناعةً تركيةً، وحتى الصناعات الصينية لا تتوفر في المحلات العامة إلا على استحياء شديد، كحياء ابنة شعيبٍ عليه السلام حين لقيت نبي الله موسى عليه السلام.

 

في المدينة تجد الحدائق الشاسعة تتشابك أغصانها وأشجارها، وتجد مباني الجامعات تعانق السّحاب وترى المستشفيات والطرقات تأخذك بقوةٍ إلى رحاب المدينة الفاضلة، وإلى رياض الدولة المدنية الحديثة، وترى بأم عينك "الدولة" التي بمعنى الدولة، دولة الخدمات، ودولة الحقوق، ودولة المؤسسات، ودولة القانون، ودولة الحريات والعدالة والمساواة، ودولة العلم والمعرفة، وتجد الدولة التي تقود المجتمع نحو المجد والمعالي والتطور والتحديث، ماثلةً بين يديك، حيثما ولى وتقلب وجهك، وأعتقد أن لون الدولة التي يبنيها أردوغان في تركيا هي هذه الدولة، وليس الدولة الإسلامية، بمفهومها الأصولي، لأنه يرى أن تطبيق الشريعة حالةٌ للمجتمع وليس حالةً للدولة، وأنّ الدولة يجب في إدارتها للشأن المجتمعي العام يجب أن تتخلى عن أي ايديولوجيا، وأنّ على الدولة أن تبني دولة الحريات والمؤسسات، ثم مسألة تطبيق الشريعة تعود إلى تحولات المجتمع الثقافية وقدراته الإنتاجية والمعرفية والاستقوائية، ولذا تجد هذه الصورة تعلو المجتمع التركي، ولذا لا تجد شيئا من المظاهر الدينية تفرضها الدولة بقوة القانون، كمنع الخمور أو الالزام بالحجاب..الخ، بل حتى حزب العدالة والتنمية تجده حزبًا منفتحًا، وليس حزبًا إسلاميًا أو أصوليًا، وبصرف النظر عن مدى موافقة هذه النظرية الأردوغانية من عدمها للشريعة، إلا أنها فكرة فريدة استطاع حزب العدالة والتنمية أن يتصدر من خلالها المشهد بكل أبعاده وأعماقه في تركيا، ومسألة تطبيق الشريعة تستلزم أولًا بناء مجتمع الحريات وتأهيله - ولو زمنا طويلا - حتى يتمكن من اختيار الإسلام، ولن تختار الأمة بعد ذلك إلا الإسلام.

وهذه النظرية الاردوغانية ليس بالضرورة أن ينهجها الاسلاميون بحذافيرها، في كل مكان، ولكن اللازم الاستفادة منها، وتبرز هنا وبقوة عاتية القول بالفصل بين الدعوي والسياسي، وعدم الدمج بينهما، حتى لا يُسقط أحدهما الآخر، كما هو الحاصل في معظم البلاد الإسلامية التي تقدّم فيها الاسلاميون للحكم، فهلكوا وأهلكوا، ويبقى القول بأنّ الفصل فيه لاختيارات أهل الحل والعقد، في البلدان والأمصار.      

 الحركة لا تتوقف في أنحاء المدينة التي يتوسطها البحر، قطاراتٌ ومترو وسياراتٌ وطائراتٌ وسفن في البرّ والبحر وفوق الأرض وتحت الأرض، وفوق الماء وتحت الماء، وفي السماء وفي الأرض، وأرصفة وأنفاق وجسور وكباري وألوان شتى، للأحجار والأرصفة، أُعدت بطريقةٍ عثمانيةٍ فريدة، وأسواق مدّ البصر، وغاز منزلي يتم توصيله إلى كل بيت عبر أنابيب خاصة، والكهرباء يتم توليدها عبر الرياح وعبر الطاقة الشمسية إلى كل المدن والأحياء التركية.

 

 أحسب أنّ بناء تركيا الجديدة يجري على أشدّه، وعلى قدمٍ وساق، وتسير تركيا نحو الصدارة العالمية بسرعة الضوء، في شتى مجالات الحياة والعمران ومجالات التنمية والصناعة، فقد أعلن الرئيس التركي مؤخرًا أنه يتم بناء (٣) منازل في كل دقيقة، و (٢٣) منزلاً كل ساعة، و(٥٥٠) منزلًا في اليوم، ويعمل في مناطق إعادة الإعمار التي ضربها الزلزال أكثر من (٢٠٠) ألف عامل، وتمّ تسليم أكثر من (٣٥٠) ألف منزل لمتضرري الزلازل، بأعلى وأجود المواصفات العالمية، وتحوّلت الكارثة الزلزالية إلى فرصة ذهبية لإعادة بناء تركيا الجديدة، وفق النموذج العالمي الأردوغاني الفريد.

 

قبل أيام افتتح الرئيس التركي بجملته المعتادة والشهيرة "بسم الله يا ألله" مصنعًا فاخرًا للدبابات التركية، ليضاف المصنع إلى قائمة إخوانه وأشقائه من المصانع التركية للطائرات والسيارات والسفن والأساطيل والغوّاصات التركية، ويغطي الجيش التركي حاجته من السلاح، بصناعات تركيّة خالصة، بنسبة تزيد عن ٨٠% على طريق الاستقلال التام لصناعة السلاح في تركيا.

 

على الصعيد الزراعي معظم المنتجات الزراعية تركيّة، وتجد حبة الطماطم التركية، صغيرة جدًا كأنها حبة برقوق ، أو أصغر، وكنّا نجلس على مائدة الطعام في الفندق فنجد كل المأكولات تركيّة ولايوجد نوع واحد من خارج تركيا، فليس فقط أردوغان وحده حريصاً على دعم الإنتاج الزراعي المحلي، بل كل مواطن تركي ومقيم، يحرص جهده وكل طاقته لبناء تركيا، فالثقافة الأردوغانية يغطي بثّها كل سهلٍ وجبلٍ في تركيا، حتى وصلت في بثها عالي الترددات إلى الحزب الكردستاني المعادي لتركيا على مدى أكثر من أربعين عامًا، ولكنه مؤخرًا وصل إلى قناعة أنه في مأمن وأمان لأنْ يسلم سلاحه للدولة التركية، وأن يتحول إلى حزب مدني، وليس بغريب هذا الموقف للحزب الكردستاني، وإن كان موقفا بعيدا عن ثقافته، لكنها العدالة والتنمية في تركيا هي التي فرضت عليه بثقافتها ودولتها العصرية هذا الموقف، وإننا لننتظر حتى الوحوش في البراري أن تترك حالة التوحش والعدوانية، وأن ترفع الراية البيضاء للزمن الجميل الأردوغاني، ناصر المظلومين والمقهورين في العالم.

 

من أبرز المظاهر -الجديرة بالذكر- في اسطنبول نظام النظافة في المدينة، فليست النظافة نظامًا معقدًا في دولة يحكمها أردوغان، بل هي نظامٌ سهلٌ ويسيرٌ جدًا، إذا ما تعمقت روح الانتماء الوطني، فهذه الأخيرة كفيلةٌ ببناء وطن نظيف وجميل بأقل التكاليف. 

في الشارع حاولتُ ثم حاولتُ مرارًا أن أجد ورقة تطير في اليباب أو علبةً تتراقص في الطريق، فلم أجد، وأتحداك ثم أتحداك أن تجد، مثل هذه الصورة، ، لأنك إذا أمعنت النظر في الطريق ورأيت شيئًا تأخذه الريح فهو إما ورقةً مزركشةً سقطت من شجرةٍ أو وردةً حسناءَ خرجت من أعلى شجرها للنزهة في هاتيك البلاد الفاتنة، وتلك الطريق الجميلة المعبدة بالحكمة التركية، ومن المحال أن تكون قمامة أو علبة أو قرطاسًا، على الأقل في الشارع الذي أقمنا فيه، فأنت - أيها الحبيب- في اسطنبول ولست في قبيلة!!!. 

ولكن كيف تتم صناعة نظام النظافة في اسطنبول؟؟!!.

هل تعرفون الكراتين ومخلفات العلب وما شاكلها؟!.

 هذه يمكن أن تتحول في اسطنبول إلى مادة للنظافة والجمال وليست للقمامة، بفعل وعي وثقافة المواطن التركي، فالكرتون الملقى على قارعة الطريق، ضع فيه كيسًا أسودًا، وضع كذلك في هذه العلبة المهملة كيسًا أسودا أو حتى أبيضًا، وضعها على قارعة الطريق لتتحول بذاتها إلى براميل نفايات، في كل مكان، وهي هي بذاتها ستعلنُ عبر مكبرات الصوت أنها براميل نفايات، والناس سيرون وقوفها الرشيق، ويدها الممدودة إلى المارّة، وسيضطرون لرمي بقايا النفايات فيها.

ولذا في اسطنبول النظافة هي اللغة الفصحى في البلاد، اللغة الأصيلة والأصلية، في الطائرة والمطار وفي السير والسيارات، وفي الطرقات والحدائق، وتعكس الثقافة التركية العثمانية.

 

 دخلتُ أحد الأسواق المكتض بالكافيهات والمقاهي والمطاعم، وأسفله بحيرة من الماء، وحوله ألوانٌ جذابةٌ من الإضاءات، وأسرٌ تركيّة وغير تركيّة يجلسون في أمنٍ وطمأنينة وسلام، يتبادلون أطراف الحديث وأطراف البيتزا، ومع ذلك لا أثر لأيّ قمامة، بل نكتة مجرد قولك قمامة في مثل هذه الأسواق الراقية جدًا، فلست في صنعاء وأخواتها.

 

في اسطنبول تركيا تجد إبداعات الرسم العثماني العتيق، الصناعي والتقني والتكنولوجي، في كل سنتيمتر وملليمتر، وكل وحدات القياس.

 

ختامًا بقي القول أنّ الصورة ليست ورديةً تمامًا، فثمة مهددات للحالة الأردوغانية في تركيا، من أهمها حالة الأعراب الذين يحيطون بتركيا، لأنّ الحالة الاردوغانية كشفت سوءاتهم، وأظهرت بداوتهم وجهلهم وحماقتهم وبعدهم عن الإنسانية وتخلفهم المقيت، وبعدهم عن ثقافة العصر، ولذا نرى تركيا الجديدة تعاني العديد من التحديات أبرزها التحدي الاقتصادي، فقد هبطت العملة التركية إلى أدنى مستوياتها حتى بلغت (٥٠) ليرة لكل دولار واحد، ومع كل المحاولات للحفاظ على قيمة العملة، لكن ثمة صعوبة بالغة، بسبب النظام البدوي وسعيه الحثيث لشراء عملة الدولار من الأسواق، لإسقاط قيمة الليرة التركية، ولكن ربنا على كل شيء حفيظ، فالشعب التركي يزداد قوة ووحدة والتفافًا حول قيادته وحول مشروعه العثماني ودولته الحديثة.

 

 وأحسب أننا في اليمن نحتاج كإسلاميين وعلمانيين، وقبائل ومدنيين، أن ندرس بعناية فائقة ثقافة الدولة المدنية، وأحسب، وأكاد أجزمُ أنّ من حِكم الله عزوجل في هذا التشرد المليوني اليمني في أصقاع المعمورة، هو لأجل الدراسة التطبيقية والعملية عن قرب، لمفاهيم الوطن والوطنية، التي ذبحها الجميع إلى غير قِبلة.

 اليمنيون في تركيا الكثيرُ منهم من أقام في اسطنبول، ومنهم من حصل على الجنسية التركية والجميع غادر بلاده وهو يردد "ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنّا ظالمون".

ليس لظلم الأرض، فالأرض طيبة والبلدة طيبة، بشهادة القرآن العظيم، وبين صنعاء واسطنبول شبهٌ كبيرٌ جدًا جدًا، فكلها بلاد الله، وإنما هاجر اليمنيون من بلادهم لوجود مسؤولين يفتقرون إلى أدنى الروح الوطنية، وبإمكان أحدهم أن يبيع حتى أمّه وبلا ثمن، فهم يشتغلون شقاةً صباح مساء في مكتب للمقاولات العامة، لبيع الوطن بالجملة وبالتجزئة، فحينًا يبيعون سقطرى، وحينًا يبيعون المهرة، وحينًا يبيعون ميناء عدن، الأول عالميًا زمن الاستعمار البريطاني، والميناء الخرابة حاليًا زمن الحكام الثمانية، وحينًا يبيعون جزرًا في البحر الأحمر، وسيبيعون حتى باب المندب، إن لم يكن قد تمّ البيع، كما باعوا صنعاء وعدن، والموانئ البحرية والبرية، وهلم جرًا.

 

أكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة لأنتقل إلى الجزء الثالث والأخير وهو الحالة الزندانية في اليمن، والله الموفق والمستعان.