تحركات أمنية واسعة تكشف خفايا 36 قضية جنائية وتطيح بـ40 متهماً خلال 24ساعة
تدفق كبير للمسافرين عبر المنافذ اليمنية.. والوديعة يحسم الصدارة
في معقل الحوثيين الرئيس وعقر دارهم.. القوات الحكومية تعزز جاهزيتها وتؤكد استعدادها للحسم ...
البنك المركزي الألماني يرجح استمرار ارتفاع الأسعار حتى حال انتهاء حرب إيران
باكستان تتحدث عن اتفاق أولي بين أمريكا وإيران وتتوقع التوقيع عليه خلال ساعات
رحيل يهز إيران… بعد 105 يوم من وفاته طهران تكشف عن مراسم وداع خامنئي تمتد ستة أيام بمشاركة شعبية
تقرير أممي: اليمن في طليعة أسوأ الأزمات الإنسانية بالعالم… ووفيات الأمهات الأعلى عربيا
مونديال 2026: قطر تبحث عن أول انتصار عالمي في مواجهة أوروبية صعبة
توقعات مركز الأرصاد في اليمن لحالة الطقس اليوم السبت
كأس العالم: فوز أمريكا على بارغواي وتعادل كندا مع البوسنة
منذ أكثر من عقد تحول اليمن إلى ساحة صراع بالوكالة، وشهد أسوأ مراحله السياسية والاجتماعية والاقتصادية منذ قيام الجمهورية عام 1962، في أزمة جوهرها صراع على السلطة بلا مشروع وطني، تغذّيه أطماع خارجية وتبرّره شعارات داخلية زائفة. ما حدث لم يكن قدرًا، بل نتيجة لتفكك مؤسسات الدولة خلال مراحل بدأت بتداعيات المرحلة الانتقالية بعد 2011، مرورًا بانقلاب جماعة الحوثي في 2014، ثم دخول التحالف بقيادة السعودية في مارس 2015، مما أدى إلى تدويل الأزمة وتحويل اليمن إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية بين أطراف لا تسعى لبناء الدولة بل لتقاسم النفوذ على حسابها، كما أوضحت تقارير لجنة خبراء مجلس الأمن خلال الفترة من 2015 إلى 2023.
رفعت بعض القوى شعارات براقة مثل استعادة الدولة ومحاربة الإرهاب والكرامة الوطنية، لكنها استخدمت كشعارات لتسويق مشاريع سلطوية ضيقة مدعومة من الخارج، تغذت على خطاب طائفي أو مناطقي. انقلبت المفاهيم، فأصبح التمرد بطولة، والانفصال شجاعة، والمليشيا تُسمى جيشًا وطنيًا، والتدخل الخارجي يُسوّق كمساعدة إنسانية. تحوّل المشهد السياسي إلى سوق شعارات بلا مضمون، كما رصدت مراكز بحثية مثل مركز صنعاء للدراسات عام 2021، ومعهد الشرق الأوسط في 2022.
لم يلمس المواطن اليمني في الشمال أو الجنوب أي تحسن معيشي، بل غرق في انهيار الخدمات وتدهور العملة التي فقدت أكثر من 80٪ من قيمتها، وسط انفلات أمني وهيمنة السلاح على ما تبقى من سلطة الدولة.
لعبت التدخلات الخارجية دورًا مركزيًا في تفكيك الدولة من الداخل باستخدام أدوات محلية، فبينما أعلنت بعض دول الإقليم دعمها للشرعية، عملت على تفريغها من الداخل عبر دعم كيانات مسلحة خارج إطار الدولة والسيطرة على الموانئ والمواقع الاستراتيجية ومناطق النفوذ، ما أعاق عودة الحكومة الشرعية ومؤسساتها، كما ورد في تقرير لجنة العقوبات بمجلس الأمن عام 2020.
ولا يمكن إعفاء الداخل من المسؤولية، إذ شاركت القوى السياسية اليمنية من أحزاب ومشايخ وواجهات قبلية ونخب منذ قيام الجمهورية وبعد الوحدة في تقويض مؤسسات الدولة طمعًا في المال أو النفوذ. انقسمت تلك القوى وتناحرت بدل أن تؤسس جبهة وطنية موحدة، فرفعت بعضها خطاب الكراهية بحثًا عن مكاسب، بينما تقنعت أخرى بشرعية الدولة وهي تعمل على إسقاطها، حتى أصبحت الحكومة اسمًا بلا وظيفة، كما حلل مركز أبعاد للدراسات في تقريره عام 2021 عن تفكك الكتلة السياسية اليمنية.
المواطن اليمني دفع الثمن الأكبر. لا كهرباء، لا ماء، لا رواتب، لا خدمات، وملايين يعيشون في نزوح داخلي وخارجي، بينما انهار التعليم والصحة، وتحوّلت الحياة إلى معاناة يومية. الأسوأ أن المواطن بات متهمًا في صمته: إن لم يهتف لطرف اتُّهم بالخيانة، وإن لم يصفق لزعيم شُكك في وطنيته.
رغم تعقيدات المشهد، لا يزال بالإمكان إنقاذ اليمن بثلاثية إنقاذ واضحة: أولًا، إنهاء وهم الشعارات الكاذبة ووقف استخدام الدين والمظلومية التاريخية كذريعة للهيمنة. ثانيًا، استعادة الدولة من خلال بناء مؤسسات تمارس السيادة داخل اليمن، لا من فنادق خارج البلاد. ثالثًا، التأسيس لمشروع وطني مستقل في قراره، قائم على العدالة والمواطنة المتساوية والتخلص من التبعية للخارج.
تجربة اليمن ليست فريدة، بل جزء من مشهد عربي يتكرر في ليبيا والسودان، حيث تتشظى الشرعية بين مناطق ومكونات متناحرة، ويغيب المشروع الوطني أمام جموح السلاح والمصالح. وكما انهارت المرحلة الانتقالية في السودان، يتكرر في اليمن مشهد أشد تعقيدًا بفعل تعدد اللاعبين وتداخل المصالح الإقليمية وطول أمد الحرب.
الأسئلة التي يجب مواجهتها بجرأة: هل الفرق بين دور بعض دول الإقليم والمجتمع الدولي في اليمن مجرد شكليات؟ ما هي المآلات المتوقعة للتحالف العربي؟ وهل ما يزال بالإمكان بناء كتلة وطنية مستقلة؟ وأي نظام سياسي يمكنه استيعاب تنوع اليمن دون أن ينفجر من داخله؟
لن تُبنى اليمن ما لم يعد القرار إلى اليمنيين، ولن تستعاد الدولة ما دامت خرافة البنادق والشعارات تسيطر على الواقع. الأيام القادمة اختبار مصيري: إما ندفن العشرية السوداء بإرادة يمنية حقيقية، أو نعيش عشرية جديدة أكثر ظلمة ومرارة.