من صنعاء... الى جنوب لبنان
بقلم/ خيرالله خيرالله
نشر منذ: 6 أشهر و 10 أيام
الثلاثاء 12 ديسمبر-كانون الأول 2017 10:05 ص
  


لا يمكن فصل اغتيال علي عبدالله صالح بالطريقة التي اغتيل بها عن الهجمة الايرانية في المنطقة. هناك محاولة واضحة لتأكيد ان صنعاء مدينة تحت السيطرة الايرانية وان ما حصل يوم الواحد والعشرين من أيلول – سبتمبر 2014، عندما اجتاح الحوثيون (انصار الله) العاصمة اليمنية، ليس مجرّد حدث عابر. الرسالة، التي اسمها رسالة صنعاء، واضحة كلّ الوضوح. ايران موجودة في العاصمة اليمنية كي تبقى فيها الى الابد حتّى لو كان معنى ذلك في المدى المنظور تحويل المدينة والمنطقة المحيطة بها الى قطاع غزّة آخر.

لماذا الاصرار على اغتيال الرئيس اليمني السابق في بيته بالطريقة التي حصلت، في حين انّه كان معروفا تماما انّه لا يمتلك ايّ مصدر قوّة باستثناء حراسه الشخصيين؟

المطلوب بثّ الرعب في صنعاء وفي كلّ انحاء اليمن. المطلوب ترويع اليمنيين والقول لكل يمني ان مصير من يتجرّأ على "انصار الله"... هو مصير علي عبدالله صالح الذي أُسر اثنان من أبنائه هما صلاح ومدين وابن شقيقه محمّد محمّد عبدالله صالح وآخرون من القريبين منه. لم يكتف الحوثيون بقتل علي عبدالله صالح. لجأوا قبل ذلك الى تعذيبه مدة ساعة ونصف ساعة قطعوا خلالها احد اصابعه قبل ان يصدر امر من عبد الملك الحوثي بتصفيته. بعد ذلك، غيّر عبدالملك الحوثي الجنبية التي يرتديها. وضع مكانها جنبية أخرى هي التي ورثها اخوه بدر حسين بدرالدين الحوثي عن والده. أراد ان يقول انّه اخذ أخيرا بثأره من علي عبدالله صالح...

كان كافيا ان يتجرّأ الرئيس اليمني السابق على ايران وعلى الحوثيين، الذين هم احد ارتكاباته منتصف تسعينات القرن الماضي، كي يلقى المصير الذي لقيه مع أولئك الذين ينتمون الى محيطه المباشر. ليس صحيحا انّه كان يريد الانقضاض على الحوثيين حتّى لو اعلن ذلك. كان يعرف تماما انّ ليس في استطاعته الطلب من "قبائل الطوق" التي تتحكّم بمداخل صنعاء دعمه في وجه "انصار الله". عندما يتعلّق الامر بموازين القوى، كانت هذه الموازين مختلّة كلّيا لمصلحة الحوثيين الذين استفادوا من إعادة هيكلة القوات المسلّحة اليمنية التي قام بها الرئيس الانتقالي عبد ربّه منصور هادي في العام 2012، فور تولّيه الرئاسة خلفا لعلي عبدالله صالح الذي غادر الرئاسة تلبية للمبادرة الخليجية. من دون قوات عسكرية ومن دون قبائل مساندة له، كان مصير علي عبدالله صالح معروفا، بل معروفا اكثر من اللزوم.

هناك منذ بضعة أسابيع عملية تجميع أوراق تقوم بها ايران وذلك منذ بدر عن إدارة ترامب ما يوحي بانّها تستوعب تماما، من الناحية النظرية فقط، اخطار المشروع التوسّعي الذي تقف خلفه طهران.

ليس سرّا ان ايران متورطة في كلّ حروب المنطقة وفي كلّ ما من شأنه اثارة النعرات المذهبية والطائفية من المحيط الى الخليج. من الواضح ان ايران تمتحن الإدارة الاميركية في غير مكان في وقت وضع دونالد ترامب نفسه في خدمتها عندما اتخذ قراره بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل متجاهلا ان ذلك يقضي نهائيا على خيار الدولتين ويعزّز وجهة نظر المتطرفين، على رأسهم ايران من جهة أخرى. ما فعله ترامب كان احسن هدية لإيران التي تتحيّن كل الفرص كي تتابع المتاجرة بالفلسطينيين وقضيّتهم وبالقدس تحديدا.

في عالم يسود فيه منطق اللامنطق، كان اغتيال علي عبدالله صالح رسالة ايرانية. كان في استطاعة الحوثيين الاكتفاء بمحاصرته في بيته. لم يكن ذلك ليغيّر شيئا في موازين القوى داخل العاصمة اليمنية ومحيطها، خصوصا انّ "قبائل الطوق" انضمت الى "انصار الله" وان كلّ المعسكرات داخل صنعاء ومحيطها صارت خاضعة لهم.

فضلا عن ذلك، لم يعد هناك شيء اسمه الحرس الجمهوري. قادة الحرس اما قتلوا او ذهبوا الى بيوتهم او انضمّوا الى الحوثيين. فعل الشيء ذاته عدد من كبار الضباط الذين ينتمون الى سنحان والذين اكتشفوا أخيرا ان لديهم حسابات يريدون تصفيتها مع ابن منطقتهم!

يظل السؤال لماذا يريد الحوثيون اظهار كلّ هذه الشراسة في الوقت الحاضر؟ الجواب بكلّ بساطة ان ايران مهتمّة بالقول للاميركيين انّها اللاعب الأساسي في الشرق الاوسط. وان لا احد يستطيع إخراجها لا من سوريا ولا من العراق ولا من لبنان ولا من اليمن. لو لم يكن الامر كذلك، لما استحضر "حزب الله" أحد قادة "الحشد الشعبي" في العراق ويدعى قيس الخزعلي الى جنوب لبنان. ما معنى هذه الزيارة ذات الطابع الاستفزازي والكلام الذي صدر عن الخزعلي من ارض الجنوب عن "إقامة دولة صاحب الزمان"؟

المعنى الوحيد للزيارة والاعلان عنها وتصويرها يتمثّل في انّ ايران تريد القول في لبنان ان الامر لي وليس للحكومة اللبنانية ولرئيسها سعد الحريري الذي يجهد لتحييد البلد. لم يكتف سعد الحريري، قبل ايّام قليلة، بالسعي الى وضع الامور في نصابها داخل الحكومة، بل عمل من خلال مؤتمر باريس الى مساعدة لبنان وإنقاذ ما يمكن إنقاذه تفاديا لكارثة اقتصادية تهدّد البلد، خصوصا القطاعات الحيوية فيه. ما حصل في جنوب لبنان هو تحدّ للحكومة اللبنانية ولجهود سعد الحريري على كلّ المستويات.

جاء الخزعلي لتأكيد ان ايران لا تبالي بالسياسة الاميركية ولا بكلام ترامب. ايران التي أخرجت الاكراد من كركوك، بواسطة ميليشياتها العراقية، هي من افشل الاستفتاء على الاستقلال الذي اصرّ عليه مسعود بارزاني. ايران استطاعت بعد ذلك السيطرة على معبر البوكمال على الحدود السورية – العراقية. كان التدخل الايراني في كركوك إشارة أخرى الى ان العراق تابع لإيران وانّ "الحشد الشعبي" هو اللاعب الأساسي في هذا البلد وان الرهان على حيدر العبادي لا يمكن ان يكون اكثر من رهان. امّا السيطرة على البوكمال فهي تكريس لربط طهران ببيروت عن طريق بغداد ودمشق.

في المقابل، تكتفي الإدارة الاميركية التي تخلّت عن المعارضة السورية منذ زمن على لعب دور المتفرّج. لم يعد من معنى للوجود العسكري الاميركي في سوريا ما دام البوكمال في يد ايران.

الى ايّ حد ستذهب ايران في تحديها للإدارة الاميركية؟ تصعب الإجابة عن السؤال. لكن الثابت انّ هناك ترابطا بين دور "الحشد الشعبي" في كركوك وفي محاصرة إقليم كردستان في العراق وبين السيطرة على البوكمال وبين زيارة قيس الخزعلي لجنوب لبنان وبين رسالة صنعاء.

تتابع ايران سياستها الهجومية على كلّ صعيد وفي غير مكان مستفيدة الى ابعد حدود من سياسة إدارة ترامب التي ثبت الى اليوم انّها تتكلم ولا تفعل وانّها تسيء الى حلفائها اكثر بكثير مما تفيدهم.

لو لم يكن الامر كذلك، كيف تفسير موقف الرئيس الاميركي من القدس في هذا بالتوقيت بالذات وفي هذه الظروف الإقليمية؟

لا تفسير واضحا غير الرغبة في خدمة إسرائيل بشكل مباشر وخدمة ايران بشكل غير مباشر لا اكثر. جاءت رسالة صنعاء واضحة لكلّ من يعنيه الامر. في غياب ضربة قويّة توجّه الى الحوثيين (انصار الله)، سيكون لإيران وجود دائم في اليمن وستكون صنعاء مدينة إيرانية أخرى... وسيكون العراق وسوريا ولبنان مستعمرات إيرانية ولا شيء آخر غير ذلك!

  
عودة إلى كتابات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
مصطفى أحمد النعمانما بعد «الميناء»
مصطفى أحمد النعمان
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
هل التهامي يمني؟
أحمد القرشي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
الاستاذ/ عبدالعزيز جباري
مأرب التضحية والصمود
الاستاذ/ عبدالعزيز جباري
كتابات
نبيل البكيرياليمن ما بعد صالح
نبيل البكيري
مصطفى أحمد النعمان  من قتل صالح؟
مصطفى أحمد النعمان
مشاهدة المزيد