حزبيو اليمن وطواحين الهواء
بقلم/ مصطفى أحمد النعمان
نشر منذ: 6 أشهر
السبت 23 ديسمبر-كانون الأول 2017 02:51 م

خلقت النهاية المأساوية للرئيس السابق علي عبدالله صالح واقعا سياسيا واجتماعيا سيلقي بظلاله على الأحداث القادمة، وإذ ترك الرجل إرثا ضخما سيتذكره اليمنيون بين منتقد بقسوة وحاقد وكاره وآخرين مدافعين ومحبين، فليس في الأمر غرابة تجاه حاكم ظل مؤثرا وحاضرا منذ العام ١٩٧٤، حين أطاح الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي بالرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني، ثم تمكن من حسم أمر خلافة الرئيس أحمد الغشمي في ١٩٧٨، ثم قفز إلى مقدمة الصفوف وبَقى وحيدا في قمة السلطة إلى ٢٠١٢، تنازل بعدها عن موقعه بموجب المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية إلى نائبه (حينها) الرئيس الحالي عبدربه منصور هادي الذي بقي إلى جوار صالح من ١٩٩٤ إلى ٢٠١٢.

برع صالح في إدارة المزاج السياسي والقبلي طيلة ثلاثة عقود بمهارة مبهرة وسيطر على مفاتيح السلطة دون منافسة حقيقية حتى من الشخصيات التي كانت تبدو على السطح كأنها مؤثرة في تسيير الأحداث، إلا أنها في الواقع كانت جميعها تعمل لما يرضيه ويمنحه المزيد من السلطة والنفوذ، وكان هؤلاء مزيجا من النقائض بل والعداوات. امتد نفوذ الرئيس الراحل حدا صارت فيه القوى السياسية إما طالبة لوده ورضاه أو محاولة الابتعاد عنه خشية الوقوع في شرك سلطته. ثم جاء تشكيل ما عرف بـ(اللقاء المشترك) بداية محاولة من عدد من الأحزاب لإحداث الفراق الجاد بينها وبينه، لكنه استطاع أن يحد من ابتعادها بتقريب عدد من قياداتها وعلى الأخص من قيادات وشباب التجمع اليمني للإصلاح (الذي أعلن مؤخرا فك ارتباطه بجماعة الإخوان المسلمين وزاد أن أعلنها تنظيما إرهابيا)، وآخرين من الأحزاب القومية التي لم تعد تمتلك نفوذا أكثر من صحف غير مقروءة وكيانات هزيلة تعيش على هبات حكومات صالح بقدر رضاه عنها وهدوء ضجيجها، وهكذا ظل ممسكا بخيوط العمل السياسي. مارس صالح نفس الصنيع بخلق زعامات قبلية صارت تدين له بالولاء المطلق مزعزعا الوجاهات التاريخية وأضعفها إلى حد أضحت فيه مجرد ذكريات قديمة لا تؤثر في انحيازاتها وولاءاتها.

اليوم صارت الساحات الحزبية مجرد يافطات تحاول قياداتها بكسل شديد بعث الروح داخل صفوفها، لكن أحدا منها لم يتمكن من خلع العباءات القديمة التي تتحكم فيه وظلوا متشبثين بتاريخ لا تأثير له على الواقع اليوم، ولم تتمكن القيادات من ابتكار موجهات جديدة تسير بأحزابها نحو آفاق بعيدة عن الماضي وإرثه الدموي للبعض والتابع للكثير منها. هذا ينطبق على (المؤتمر الشعبي العام) الذي احتكر صالح كامل نفوذه دون منازع، وصارت الآن القيادات التي كانت تعمل معه بموجب تعليماته تصارع طواحين الهواء في محاولة لإبقاء التنظيم جزءا من الحياة السياسية، لكن من الواضح أن من بقي في الداخل لم يعد قادرا على العمل بصورة طبيعية في ظل الضغوطات والتهديدات التي تمارسها عليها جماعة الحوثيين، وسعيها للسيطرة والتحكم في مواقف شخصياته تجاه ما حدث لصالح وما يحدث في البلد، ولن يطول الوقت قبل أن يصبح التنظيم الذي أنشأه ورعاه الرئيس السابق لأكثر من ٣٠ عاما، يدور في فلك الذكريات التي مرت بها الأحزاب التي خلقتها ومولتها السلطة لكنها أصيبت بحالة الموت السريري فور خروجها من ترف الحاكم ورعايته.

إن الأوضاع التي أفرزها مقتل صالح بتلك الصورة البشعة لم يعد مجديا معها محاولات البعض الالتفاف على الواقع، بل من الأفضل البدء في الخروج من الأنماط التقليدية لمعالجة الكوارث، كما أنه من المحتم مقاومة تناول الأمر بالخفة المعتادة ثم الإصرار على سياسة العلاج بتدوير النفايات التي لم تعد صالحة للاستهلاك السياسي، وعلـى الحكومة (الشرعية) والمستشارين الطامحين التركيز على مهامهم في معالجة قضايا المواطنين وتثبيت الأمن وتحسين حالة الخدمات في المناطق التي خرجت من سيطرة الحوثيين والتنازل عن تطلعات الوجاهة التي يلهثون وراءها، كما أن علـى التحالف اتخاذ موقف حازم إزاءهم وإزاء هذا العبث بالوقت والجهد والتركيز علـى ما ينفع الناس ويعينهم ويمنحهم الأمل.