محاكمة ابن تيمية: حلقة في مسلسل التجديد المزعوم
بقلم/ إحسان الفقيه
نشر منذ: أسبوعين و 21 ساعة
الإثنين 11 مايو 2020 01:12 ص
 

الدراما المصرية قبل ثلاثة عقود: «معظم رموزنا الوطنية والتاريخية تعرضت للتشويه بفعل فاعل، علشان ولادنا يفتقدوا القدوة.. التاريخ ظلم ناس كتير، زي ابن تيمية، لما اتهموه بالتعصب والغرور والتشدد… ابن تيمية شخصية فريدة في التاريخ الإسلامي، بطل بمعنى الكلمة… مكنتش عارف إن ابن تيمية شخصية عظيمة بالشكل ده».

مقتطفات من حوار دار بين الفنانيْن عبد الرحمن أبو زهرة وصبري عبد المنعم في حلقات عن العالِم الإسلامي المعروف ابن تيمية، ضمن مسلسل «أئمة الهدى»، الذي عرض أربع حلقات عن ذلك العالِم، تضمنت سردا تاريخيا لحياته المدونة في كتب التراجم والطبقات المعتبرة، وحملت إجابات وافية شافية عن كل الاتهامات التي توجه الآن لشيخ الإسلام ابن تيمية.

فاصل زمني…

الدراما المصرية الآن: في مسلسل «الاختيار» الذي يعرض صراع الجيش المصري مع الجماعات التكفيرية في سيناء، وفق الرواية الأمنية الرسمية، جمع أحد المشاهد بين أمير جماعة تكفيرية، وأحد عناصرها البارزين، وفيه يسأل الأخير عن حكم المدنيين، الذين يُقتلون خلال التفجيرات التي تقوم بها الجماعة، فأجابه الأمير: يُبعثون على نيّاتهم، كما علمنا شيخ الإسلام ابن تيمية». وهكذا تحول ابن تيمية في الدراما المصرية خلال ثلاثة عقود من شخصية عظيمة فريدة بعيدة عن التعصب والتشدد والغلو، إلى مُنظّر الفكر التكفيري، وصاحب الأساس الذي يعتمد عليه التكفيريون في منهج العنف وإراقة الدماء المعصومة، فما الذي تغير بين الأمس واليوم؟

ابتداءً أود الإشارة إلى أن ابن تيمية ليس مُقدسًا، وليس فوق مستوى النقد، فهو كغيره من العلماء، لكل عالم زلة، وكما قال أئمة الإسلام: «كل يؤخذ من قوله ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم»، لكن هذا لا يسوغ لأحد أن يمرر هذه المظلمة التاريخية بحق أحد أبرز علماء الأمة بإلقاء التهم جزافًا. والذين قاموا بتأويل كلامه وحمله على غير المحمل والتفوا حولها، ولووا أعناقها وطوعوها لمنهجهم الفاسد، هم أنفسهم الذين أوّلوا نصوص القرآن والسنة الصحيحة، وفق أهوائهم، وبعيدا عن الفهم الصحيح لها، فكما أن نصوص القرآن والسنة بريئة ممن اتكأ عليها في تبرير باطله، فكذلك أقوال ابن تيمية بريئة ممن اتكأ عليها في تبرير جرائمه.

كلام ابن تيمية عمن يُقتلون ويبعثون على نياتهم، تم الاعتداء عليه في المسلسل، حيث اجتُزئ من سياقه وظرفه التاريخي، فالفتوى كانت أيام عدوان التتار على بلاد المسلمين في عهده، وكان من عادتهم أخْذ أسرى من المسلمين للقتال معهم بعد تهديدهم بقتل ذويهم إن لم يفعلوا، فعلى ذلك بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية حكم هؤلاء، فقال في مجموع الفتاوى: «وَمَنْ أَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ مُكْرَهًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ عَلَى نِيَّتِهِ. وَنَحْنُ عَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَ الْعَسْكَرَ جَمِيعَهُ إذْ لَا يَتَمَيَّزُ الْمُكْرَهُ مِنْ غَيْرِهِ». الأمر نفسه يقال بشأن فتوى التترّس المعروفة التي أصدرها ابن تيمية بشأن ما كان يفعله التتار، عندما كانوا يأخذون أسرى من المسلمين ويجعلونهم في المقدمة يتترسون بهم، حتى يضعفوا همة جيش المسلمين تجاه قتال الجيش التتري، خوفا على حياة الأسرى المسلمين، فكانت الفتوى تتعلق بجيشين يتقاتلان، ولا سبيل لدفع العدو والنفاذ إليه إلا بقتل هؤلاء المسلمين، وإن لم يفعلوا حدثت مفسدة أكبر باستحلال العدو بيضة الإسلام، وإعمال القتل وهتك الأعراض ونهب الأموال، وهذه مسألة لم يتكلم ابن تيمية وحده فيها، بل تكلم فيها علماء المذاهب الأربعة، ولا يستطيع أن يقول عاقل خلاف ذلك.

إذن فما ذنب ابن تيمية أن يستند التكفيريون الإرهابيون على فتواه في أن يقتلوا المدنيين خلال تفجيراتهم، مع أنها حالات بعيدة كل البعد عن الوصف الذي بنى عليه ابن تيمية فتاواه؟ إن أقوى ما تندفع به تهمة الغلو في التكفير، وإباحة الدماء المنسوبة لابن تيمية، أن الرجل كان له خصوم كُثُر، ومحل الخصومة كانت آراؤه في عدة مسائل كالطلاق المُعلّق، والتوسل، وشدّ الرحال إلى زيارة القبر النبوي بنيّة منفصلة عن زيارة المسجد، ورأيه في رموز الصوفية كابن عربي، وغيرها، ولم يكن من بينها على الإطلاق الغلو في التكفير، وإباحة الدماء المعصومة، وإلا قام جهابذة علماء عصره بالرد عليها بطبيعة الحال، حيث ردوا عليه بقوة في مسائل أقل وأخف من ذلك بكثير، فكيف لو كان الأمر يتعلق بالدماء؟

وهذا ما بنى عليه الداعية الأزهري عبد الله رشدي دفاعه عن ابن تيمية، ضد التطرف والإرهاب وإباحة الدماء، بعد أن عدّد الأسباب التي سُجن من أجلها شيخ الإسلام في دمشق ومصر، وليس من بينها هذه التهمة التي تُروّج اليوم.

ـ ابن تيمية الذي تُشوّه سيرته ومنهجه في الدراما المصرية، ويُقدّم على أنه رمز للتشدد، هو صاحب الفتاوى في الطلاق المُعلق المعمول بها في دار الإفتاء والمحاكم المصرية، لأن فيها تيسيرا على الناس، رغم أنها تخالف جمهور المذاهب الأربعة.

ـ ابن تيمية المتهم بأنه سفاح العصور، هو الذي ضرب مثلا فريدا في سماحة الإسلام وعدله مع غير المسلمين، فعندما ذهب يخاطب ملك التتار بإطلاق الأسرى، ووافق زعيمهم على إطلاق المسلمين دون المسيحيين، أصرّ ابن تيمية على أخذ الأسرى المسلمين وقال: «بَلْ جَمِيعُ مَنْ مَعَك مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ ذِمَّتِنَا؛ فَإِنَّا نفْتكّهُم وَلَا نَدَعُ أَسِيرًا لَا مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ».

ـ ابن تيمية الذي يُتهم بالتشدد والغلو كان يؤكد دائما على مسألة العذر بالجهل، بخلاف أهل الغلو والتطرف والتكفير، الذين لا يعذرون الجاهل بجهله، فيقول: «وَإِنِّي أُقَرِّرُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَطَأَهَا: وَذَلِكَ يَعُمُّ الْخَطَأَ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ».

ـ ابن تيمية الذي يقولون عنه إنه رأس التكفير، يذم في غير موضع في كتبه التجرؤ على تكفير الناس بغير الضوابط التي وضعتها الشريعة، فيقول: «وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي: أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ، إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية». ويقول في موضع آخر: «وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ، بَلْ هُمْ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ وَأَرْحَمُ بِالْخَلْقِ».

ـ ابن تيمية المتهم بالغلو، كان قلمه ولسانه بالمرصاد للفرق المنحرفة كالخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة وغيرهم، ممن لا تزال الأمة تعاني من آثار انحرافاتهم إلى اليوم.

ـ وهذه شهادة من المفكر الإسلامي الراحل ابن الأزهر الدكتور محمد عمارة رحمه الله بحق ابن تيمية إذ يقول: «كان شديد البصر والبصيرة بالمخاطر الخارجية التي تحدق بحضارة الإسلام وديار الإسلام، وفي هذا الميدان كان شديد الوعي بفقه الأولويات حتى لقد حمل السلاح وحارب الصليبيين والتتار تحت قيادة النظم السياسية التي مات في سجونها، فضرب لنا مثلا في الوعي الحضاري بفقه الأولويات، ما زلنا في حاجة إلى فقهه حتى هذه اللحظات».

ـ الطعن في ابن تيمية وتحميله جرائم الإرهاب لا يمكن فهمه إلا على أنه إحدى حلقات النيل من التراث، الذي يُعدّ أحد لوازم التجديد الديني المزعوم الذي يريده رئيس النظام الانقلابي في مصر، ويروج له الإعلام الموالي للسلطة، وكذلك زمرة أدعياء الفكر التنويري.

ـ ولعل من المناسب الإشارة إلى أن تعمد الإساءة إلى ابن تيمية وتشويهه من الأهمية بمكان لدى القائمين على عملية قطع الأمة عن تراثها، نظرًا لأن ابن تيمية صاحب مدرسة تخرج منها جمعٌ من علماء الأمة الثقات المعروفين، أمثال ابن القيم وابن كثير والذهبي والمزّي وابن عبد الهادي وابن مفلح وغيرهم، فإذا غرس المغرضون في الناس أن ابن تيمية رمز للتشدد والتطرف والتكفير، فإنه يسهل ترويج التهمة ذاتها بحق أتباعه، إذ يكفي أن يقال عن أحدهم إنه تلميذ ابن تيمية التكفيري المتطرف.

وكما يقول أبو تمام:

وإِذَا أَرادَ اللَّهُ نَشْرَ فَضيلَةٍ ** طويتْ أتاحَ لها لسانَ حسودِ

فأرى أن هذه الحملة التي تستهدف ابن تيمية وغيره من علماء الأمة ستكون بوابة يعبر بها الناس ـ بإذن الله- إلى حيث التعرف على تراثهم وعلمائهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.