آخر الاخبار

الحكومة تعلن اغلاق جميع مطارات اليمن أمام حركة الطيران عايض: القوات المسلحة فرضت قواعد الحسم في مطارات اليمن وأفشلت «معركة التحدي» الإيرانية.. والحوثي خسر رهان التحدي والاستعراض القائد الأعلى للقوات المسلحة يوجه بوضع القوات المسلحة في أعلى درجات الجاهزية لمواجهة التهديدات عاجل: الحكومة اليمنية تعلن حالة الانعقاد الدائم وتشكل فريق لإدارة الأزمة بعد التصعيد الحوثي الإيراني القوات المسلحة اليمنية تقصف مطار صنعاء وتمنع الطائرة الإيرانية من الهبوط والرئيس يوجه برفع الجاهزية الى الدرجة القصوى الأردن يتصدى لصواريخ إيرانية.. الدفاعات الجوية تُحبط الهجوم وتؤكد: السيادة خط أحمر هجوم يطال 3 مراكز حدودية للجيش الكويتي ومنصة حفر نفطية قفزة مفاجئة لأسعار النفط.. التصعيد الأميركي الإيراني يعيد شبح أزمة الطاقة العالمية تحذير جوي جديد في اليمن.. حرارة خانقة تضرب السواحل والصحارى وأمطار رعدية غزيرة وبَرَد يهددان المرتفعات ماذا يحدث للقولون عند شرب فنجان من القهوة يوميًا؟.. احذر هذه الأعراض

هل وجدت السعودية ضالتها في النكف؟
بقلم/ علي العقيلي
نشر منذ: أسبوع و يوم واحد و 22 ساعة
السبت 04 يوليو-تموز 2026 07:29 م

 قراءة في بيان التحالف واجتماع الرئاسي

 

قد تبدو التطورات الأخيرة في اليمن مجرد أحداث متفرقة، لكن السياسة نادرًا ما تُقرأ بهذه الطريقة.

 

في غضون أيام قليلة، شهد الملف اليمني تطورات متزامنة؛ اتساع النكف القبلي الذي انطلق من الريان شرقي محافظة الجوف، وانتهاك طائرة السيادة اليمنية وبيانًا تصعيديًا صادرًا عن جماعة الحوثي تحدث عن محاولة سلاح الجو السعودي اعتراض الرحلة الجوية الإيرانية إلى صنعاء، ثم بيانًا غير مسبوق من قيادة التحالف العربي أشار إلى الحراك القبلي ضد الحوثي، أعقبه اجتماع استثنائي طارئ لمجلس القيادة الرئاسي ناقش انتهاك إيران للسيادة اليمنية.

 

قد يكون كل حدث منها قابلًا للقراءة منفردًا، لكن وضعها في سياق واحد يثير تساؤلًا مشروعًا، هل نحن أمام تحول في طريقة إدارة الملف اليمني؟ وهل بدأت السعودية تنظر إلى الداخل اليمني، وتحديدًا إلى الحراك القبلي، بوصفه ركيزة يمكن البناء عليها بعد سنوات من التعثر السياسي؟

 

طوال سنوات الحرب، راهنت الأطراف الإقليمية والدولية على المفاوضات والتفاهمات السياسية. وقدمت المملكة العربية السعودية مبادرات عدة، كان آخرها خارطة الطريق التي وافقت عليها الحكومة اليمنية، بينما تعثرت بسبب رفض الحوثيين، وفقًا للرواية السعودية. وفي المقابل، ظل المعسكر الجمهوري يعاني انقسامات سياسية وعسكرية حالت دون بناء جبهة موحدة قادرة على استعادة الدولة.

 

لكن النكف القبلي الذي انطلق من الريان قدّم مشهدًا مختلفًا. فمن دون اتفاقات سياسية أو تفاهمات حزبية، نجح في استنهاض القبائل وتحريكها حول قضية واحدة، وأعاد إلى الواجهة دور القبيلة بوصفها عنصرًا قادرًا على التأثير في موازين القوى داخل اليمن.

 

وربما تكمن أهمية هذا النكف في أنه أعاد إنتاج حالة اصطفاف وطني افتقدها اليمنيون لسنوات. فبينما انشغلت القوى السياسية بخلافاتها، بدت القبائل أكثر قدرة على الالتفاف حول قضية جامعة، وهو ما قد يجعل هذا الحراك محل اهتمام الأطراف المعنية بالملف اليمني، وفي مقدمتها السعودية.

 

وقد لا يكون من قبيل المصادفة أن يأتي ذلك متزامنًا مع بيان حوثي حمل لهجة تصعيدية تجاه المملكة، إذ اتهمها بمحاولة منع هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء، ولوّح باستهداف المطارات والمصالح السعودية إذا تكرر الأمر. ومن الواضح أن الجماعة أرادت أن تجعل عنوان الحدث هو: "السعودية تعتدي على السيادة اليمنية"، وأن تقدم نفسها في موقع المدافع عن اليمن في مواجهة الخارج.

 

لكن ما حدث لاحقًا كان لافتًا؛ إذ لم ينجرف التحالف إلى مناقشة تفاصيل تلك الرواية، ولم يجعل من حادثة الطائرة محور خطابه، بل أعاد تعريف المشهد بالكامل، وهي نقطة تبدو من أهم ما حمله البيان السعودي.

 

لم يكن أكثر ما لفت الانتباه في بيان التحالف العربي هو التهديد بـ"الرد بحزم وقوة غير مسبوقة"، بل الطريقة التي أعاد بها صياغة الرواية السياسية للأحداث.

 

فبدلًا من الدخول في سجال حول الطائرة الإيرانية أو الرد على مزاعم الحوثيين، نقل التحالف مركز النقاش إلى قضايا مختلفة تمامًا. فقد أكد أن الحوثيين يحاولون صرف الأنظار عن أزماتهم الداخلية، وأنهم يسعون إلى تصدير معاناة تسببوا بها للشعب اليمني، وأنهم رفضوا خارطة الطريق التي قبلتها الحكومة الشرعية، ثم أضاف عبارة بدت، في تقديري، الأكثر أهمية في البيان كله، وهي أن الجماعة "تسعى لتغطية الرفض القبلي والاجتماعي الذي تواجهه".

 

قد تبدو هذه الجملة عابرة، لكنها تستحق التوقف عندها طويلًا. فمنذ انطلاق عمليات التحالف، اعتادت بياناته التركيز على الجوانب العسكرية والأمنية، والحديث عن الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات العسكرية، أو عن المبادرات السياسية والجهود الدبلوماسية. أما أن يخصص بيان رسمي صادر عن قيادة عسكرية مساحة للحديث عن الرفض القبلي والاجتماعي الذي يواجهه الحوثيون، فذلك يبدو تطورًا غير مألوف في الخطاب الرسمي للتحالف.

 

وربما تكون هذه من المرات الأولى التي يبرز فيها التحالف هذا العامل الداخلي بهذا الوضوح، وهو ما قد يعكس أن القبيلة لم تعد تُنظر إليها باعتبارها مجرد مكون اجتماعي، بل ربما أصبحت عنصرًا حاضرًا في التقديرات السياسية والأمنية المتعلقة بمستقبل الصراع في اليمن.

 

وإذا صح هذا التقدير، فإن الرسالة التي أراد التحالف إيصالها تتجاوز مجرد الرد على الحوثيين. فهو لم يقل فقط إن الجماعة تهدد السعودية، بل قال، ضمنًا، إنها تواجه أزمة داخلية، وإن تصعيدها الخارجي ليس سوى محاولة للهروب من تلك الأزمة. وبهذا، نقل مركز الثقل في الخطاب من "التهديد العسكري" إلى "الواقع الداخلي" في مناطق سيطرة الحوثيين.

 

وهنا تبرز أهمية النكف القبلي، فإذا كان التحالف قد اختار الإشارة صراحة إلى وجود رفض قبلي واجتماعي، في الوقت الذي يتسع فيه النكف القبلي في الريان شرقي الجوف، فإن الربط بين الأمرين يصبح مشروعًا من الناحية التحليلية، حتى وإن لم يرد في البيان أي ذكر مباشر لهذا النكف.

 

وربما أراد التحالف، من خلال هذه اللغة، إرسال أكثر من رسالة في وقت واحد؛ رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الحوثيين ليسوا الطرف الباحث عن السلام، ورسالة إلى الداخل اليمني بأن هناك تحولات اجتماعية وقبلية تستحق البناء عليها، ورسالة إلى القبائل نفسها بأن التحالف يراها عنصرًا مهمًا في أي معادلة قادمة.

 

وإذا كانت هذه القراءة صحيحة، فإن ذلك قد يعني أن الرياض بدأت تنظر إلى الداخل اليمني بطريقة مختلفة، فبعد سنوات كان الرهان فيها يتركز على المفاوضات والضغوط السياسية، قد يكون هناك اليوم اهتمام متزايد بما يمكن أن يفرزه الداخل اليمني نفسه من متغيرات، وفي مقدمتها الحراك القبلي.

 

وهنا قد يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: هل وجدت السعودية في النكف القبلي فرصة لم تجدها في سنوات طويلة من الرهان على القوى السياسية المنقسمة؟ قد يكون من المبكر تقديم إجابة حاسمة، لكن المؤكد أن إدراج "الرفض القبلي والاجتماعي" في بيان رسمي للتحالف لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل رسالة سياسية تستحق القراءة، وربما كانت أهم من التهديد العسكري ذاته، لأنها تكشف عن تحول محتمل في طريقة فهم التحالف لمعركة اليمن.

 

الرحلة الجوية الإيرانية المباشرة إلى مطار صنعاء يبدو أنها جاءت لتضيف بعدًا آخر إلى المشهد، وربما كانت هي الحدث الذي سرّع وتيرة التصعيد السياسي والإعلامي.

 

ويبقى السؤال الأهم: لماذا اختارت إيران هذا التوقيت تحديدًا لتسيير رحلة مباشرة إلى صنعاء، وهي تدرك مسبقًا أن الخطوة ستُفسَّر على أنها تحدٍ للحكومة الشرعية وللتحالف العربي؟

 

يصعب الجزم بالإجابة، لكن القراءة السياسية تطرح عدة احتمالات. فقد تكون طهران أرادت تثبيت حضورها السياسي والرمزي في اليمن، وإرسال رسالة بأنها ما تزال لاعبًا مباشرًا في الملف اليمني رغم الضغوط الإقليمية والدولية، أو أنها أرادت اختبار حدود رد الفعل السعودي والدولي، ومعرفة ما إذا كانت مرحلة التهدئة لا تزال قائمة، أم أن قواعد الاشتباك بدأت تتغير. كما لا يُستبعد أنها سعت إلى طمأنة الحوثيين بأن دعمها لهم مستمر، حتى في ظل المتغيرات الإقليمية.

 

لكن في المقابل، ربما هذه الخطوة، من حيث لا تريد طهران، منحت السعودية والحكومة الشرعية المبرر السياسي والقانوني الذي كانتا بحاجة إليه لإعادة بناء خطاب أكثر تشددًا تجاه إيران والحوثيين، بعد سنوات من تغليب خيار التهدئة والسعي إلى التسوية.

 

ولم تمضِ ساعات حتى عقد مجلس القيادة الرئاسي اجتماعًا استثنائيًا طارئًا، بحضور جميع أعضائه، إلى جانب رئيس الحكومة ووزراء الدفاع والداخلية والإعلام، ورئيس هيئة الأركان، ورئيس جهاز أمن الدولة، وعدد من القيادات المعنية. وهذا الحضور الواسع يوحي بأن الاجتماع لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي، بل جاء للتعامل مع حدث رأت القيادة اليمنية أنه يتجاوز مجرد تسيير رحلة جوية.

 

واللافت أن المجلس لم يكتفِ بإدانة الرحلة، بل اعتبرها انتهاكًا صارخًا للسيادة اليمنية، وحمّل النظام الإيراني مسؤولية مباشرة، ودعا المجتمع الدولي إلى الانتقال من مرحلة الإدانة إلى اتخاذ إجراءات رادعة. وبذلك، نقل القضية من كونها خلافًا مع الحوثيين إلى كونها مواجهة سياسية وقانونية مع إيران بوصفها طرفًا مباشرًا في الأزمة اليمنية.

 

وعند الربط بين بيان التحالف واجتماع مجلس القيادة، يبرز تناغم واضح في الخطاب. فكلاهما شدد على أن الحوثيين أفشلوا فرص السلام، وكلاهما حمّل إيران مسؤولية التصعيد، وكلاهما رفع سقف الحديث عن السيادة والردع. ويبدو أن هذا التناغم لم يكن مقتصرًا على المضمون، بل شمل أيضًا توقيت الرسائل وطريقة صياغتها.

 

ومن زاوية التمهيد الإعلامي والسياسي، قد يجد بعض المتابعين أوجه شبه مع ما سبق العملية العسكرية ضد المجلس الانتقالي مطلع العام الجاري. ففي تلك المرحلة أيضًا، سبقت التحرك الميداني بيانات رسمية ذات لهجة مرتفعة، واجتماعات سياسية وأمنية مكثفة، ورسائل ركزت على استنفاد الحلول السلمية وضرورة فرض سلطة الدولة، قبل أن تتطور الأحداث لاحقًا إلى خطوات ميدانية.

 

ولا يعني ذلك أن السيناريو سيتكرر، فالسياق الحالي يختلف جذريًا، والخصم هذه المرة هو الحوثيون المدعومون من إيران، كما أن الاعتبارات الإقليمية والدولية أكثر تعقيدًا. لكن التشابه في نمط التمهيد الإعلامي والسياسي يجعل من الصعب التعامل مع البيانات الأخيرة باعتبارها مجرد ردود فعل عابرة، ويجعل التساؤل حول ما إذا كانت تمهد لمرحلة جديدة سؤالًا مشروعًا من الناحية التحليلية.

 

ومع ذلك، فإن كل ما سبق لا يعني بالضرورة أن قرارًا بعملية عسكرية واسعة قد اتُّخذ بالفعل. فمثل هذه القرارات تحكمها حسابات معقدة تتداخل فيها العوامل العسكرية والسياسية والإقليمية والدولية. غير أن ما يمكن قوله هو أن لغة الخطاب قد تغيرت بصورة لافتة، وأن الرسائل الصادرة من الرياض وعدن تختلف عن كثير من الرسائل التي سادت خلال مرحلة التهدئة.

 

فالحوثيون حاولوا أن يجعلوا عنوان المشهد هو "منع هبوط طائرة إيرانية" و"الاعتداء على السيادة اليمنية"، لكن التحالف أعاد صياغة الرواية بالكامل، متحدثًا عن رفض الحوثيين للسلام، وعن أزمتهم الداخلية، وعن الرفض القبلي والاجتماعي الذي يواجهونه، بينما نقل مجلس القيادة الرئاسي القضية إلى مستوى آخر، باعتبارها انتهاكًا إيرانيًا مباشرًا لسيادة الجمهورية اليمنية. وبذلك، لم يعد عنوان المشهد مجرد رحلة جوية، بل تحول إلى نقاش أوسع حول مستقبل الصراع، والدور الإيراني، ومستوى التهديد الذي تمثله جماعة الحوثي.

 

وهنا تبرز أهمية النكف القبلي مرة أخرى. فإذا كانت السعودية قد وجدت بالفعل في هذا الحراك فرصة لم تجدها طوال سنوات من الرهان على القوى السياسية المنقسمة، فإن نجاح هذه الفرصة لن يكون مرهونًا بالدعم العسكري وحده، بل بقدرتها على تحويل هذا الزخم الشعبي والقبلي إلى مشروع وطني جامع، يوحد القبائل والقوى العسكرية والسياسية تحت مظلة الدولة، وينهي حالة التشظي داخل المعسكر الجمهوري.

 

وقد يشكل الريان شرقي الجوف نقطة الانطلاق لهذا المسار، ليس فقط لأنه شهد انطلاق النكف، بل لأنه أعاد إلى الواجهة فكرة أن القبيلة ما تزال قادرة على صناعة التحولات عندما تتوحد حول قضية وطنية. وإذا ما أُحسن استثمار هذا الزخم، فقد يتحول من حراك قبلي محدود إلى نقطة ارتكاز لإعادة بناء معسكر استعادة الدولة، وهي فرصة ربما لم تكن متاحة بهذه الصورة منذ سنوات.

 

لقد أثبتت التجربة اليمنية أن التسويات السياسية وحدها لا تنجح إذا غابت عنها موازين القوة، كما أثبتت أن العمليات العسكرية لا تحقق أهدافها إذا افتقدت الحاضنة الشعبية. وربما يكون النكف القبلي، للمرة الأولى منذ سنوات، قد جمع بين هذين العاملين؛ إذ وفر حاضنة اجتماعية يمكن البناء عليها، في وقت تبدو فيه الرسائل السياسية والعسكرية الصادرة من التحالف والحكومة أكثر حزمًا تجاه الحوثيين وإيران.

 

لا أحد يستطيع الجزم بأن السعودية غيّرت استراتيجيتها، أو أن بيان التحالف واجتماع مجلس القيادة الرئاسي يمثلان مقدمة لتحرك عسكري واسع. لكن من الصعب أيضًا تجاهل تزامن هذه التطورات، أو تجاهل التحول اللافت في الخطاب، ولا سيما حديث التحالف عن "الرفض القبلي والاجتماعي"، وهي عبارة قد تكون الأكثر دلالة في بيانه، لأنها تشير، للمرة الأولى تقريبًا، إلى أن الداخل اليمني لم يعد مجرد ساحة للصراع، بل ربما أصبح أحد مفاتيح حسمه.

 

ولعل هذا هو السؤال الحقيقي الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة: هل كانت هذه البيانات والاجتماعات مجرد ردود فعل على رحلة إيرانية وتصعيد حوثي، أم أنها تمثل بداية إعادة صياغة للاستراتيجية السعودية في اليمن، بالانتقال من الرهان على المفاوضات وحدها إلى الرهان أيضًا على الداخل اليمني، وفي مقدمته القبيلة؟.

 

وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال الذي حمله عنوان هذا المقال لن يبقى مجرد فرضية تحليلية، بل سيصبح سؤال المرحلة بأكملها: هل وجدت السعودية أخيرًا ضالتها في النكف القبلي؟.