آخر الاخبار

تصعيد واسع.. القوات الحكومية تعلن 1729 عملية دقيقة ضد الحوثيين وتكشف حصيلة الخسائر تصعيد جوي واسع في اليمن.. غارات تضرب مواقع حوثية في 6 محافظات وأنباء عن استهداف تعزيزات متجهة إلى تعز مقاومة تعز تطلق حملة لجمع 10 آلاف قطعة سلاح و10 ملايين طلقة لـ«عتاد التحرير والكرامة» عملية «فجر اليمن» تعيد رسم موازين الحرب.. ثلاث سيناريوهات لمستقبل الحرب وتحدد مصير المعركة المقبلة تركيا تكشف طبيعة الدعم الذي إرسلته إلى السعودية لمواجهة الحوثيين وهل سترسل قوات مهاجمة؟ قبيلة أرحب تعلن النفير العام دعماً لمعركة «فجر اليمن» وتبدي استعدادها لبذل المال والنفس ومساندة القوات المسلحة تصريحات وزير الدفاع بشأن السيطرة على مديريات محافظة تعز وعملية فجر اليمن سقوط الكبار وصعود المفاجآت.. موسم الدراما التركية يقلب الطاولة من الفتى الذهبي إلى 100 مليون يورو.. أردا غولر يهز سوق الانتقالات أزمة صناديق الاستثمار تهز تركيا.. أردوغان يتدخل ويتوعد المتورطين بالمحاسبة

تعز قلعة التنوير وروح المقاومة التي لا تقهر
بقلم/ عبد الخالق محمد منصور
نشر منذ: شهر و يوم واحد
الإثنين 07 سبتمبر-أيلول 2026 02:12 م

في جغرافية الأوطان ثمة مدن تمر عليها الأحداث فتترك فيها أثراً، وثمة مدن أُخرى هي من تصنع الأحداث وتفرض إيقاعها على التاريخ، وتأتي تعز في صدارة هذه المدن الاستثنائية التي تشكل الضمير الحي لليمن، والرئة التي يتنفس منها الوطن معاني الحرية والكرامة والتنوير، إنها المدينة التي تحرسها قمة جبل صبر الأشم، وتنساب في أزقتها روح الثقافة والفن، وتتسع في قلوب أبنائها قيم الدولة المدنية المنشودة التي طالما حلم بها اليمنيون من المهرة إلى صعدة.

كانت ولا تزال تعز الجميلة مهبطاً للعلم والوعي، ورائدة المشروع الوطني التنويري. لم تكن القوة في تعز يوماً تمارس عبر السلاح أو النفوذ القبلي والمذهبي، بل كانت القوة الحقيقية المكرسة في وعي أبنائها وشغفهم المعرفي، إذا طوفت في أي مديرية من مديرياتها، من جبالها الشامخة إلى أريافها الممتدة، فلن تجد بيتاً إلا وفيه من يحمل القلم، ولا قرية إلا وتزخر بالدكاترة، المهندسين، الأطباء، والمعلمين الذين غرسوا بذور المعرفة في كل أرجاء اليمن.

لقد صدّرت تعز العقول ولم تصدّر العنف، وعمّرت العقول قبل أن تبني الأحجار. المعلم التعزي كان ولا يزال حاضراً في كل مدرسة يمنية، والمهندس التعزي شيدت بصماته المعالم، والطبيب التعزي أطبّ جراح المواطنين في كل المحافظات، إن هذا الزخم العلمي ليس مجرد طفرة عابرة، بل هو ثقافة متجذرة ونمط حياة يجعل من هذه المحافظة خزان كفاءات لا ينضب، ومصدر إشعاع حضاري يعصم المجتمع من الجهل والسقوط في ظلمات الخرافة.

وما إن سيطرت ميليشيات الحوثي على مقاليد الحكم إبان عام 2014، حتى جاء الموقف التعزي ليصنع الفارق الوطني، في اللحظة التي خيم فيها الذهول على الكثير، كان لأحرار تعز موقف مغاير يجسد إرادة أمة لا تقبل الاستعباد، رفضت تعز الخضوع، واستعصت على الذل، وأعلنت بملء فيها أن الكرامة لا تُساوم، وأن المشروع السلالي المليشاوي لا مكان له في أرض شبّ أبناؤها على الحرية والمدنية.

لم يكن الخيار سهلاً، بل كان خياراً معجوناً بالتضحيات والدم، دفع أبناء تعز ضرائب باهظة وقدموا أثماناً جليلة؛ خسروا أبناءهم وبناتهم، واستُهدفت منازلهم وممتلكاتهم، وتجرعوا مرارة الحصار الجائر الذي فرضته الميليشيات على منافذ المدينة، ورغم شلال الدماء الذي سال في الأزقة، ودمار البنية التحتية، وقسوة الحصار الذي خنق أنفاس الحياة اليومية، ظلت تعز قائمة على قدميها، ترفع رأسها إلى السماء، وتثبت للعالم أجمع أنها قلعة عصية على الانكسار والهزيمة.

لم تكن تعز مجرد أيقونة للثورة والمقاومة المسلحة دفاعاً عن الكرامة، بل كانت وما زالت الرافعة الحقيقية للمشروع المدني والديمقراطي في اليمن، ففي أوج الحرب ودوي المدافع، لم تتخلَّ تعز عن روحها؛ استمرت المدارس تفتح أبوابها تحت الركام، واستمرت الجامعات تخرج أجيال المستقبل، وظلت المؤسسات الثقافية تقاوم بالكلمة واللوحة والأغنية.

إن السر في صمود تعز يكمن في تنوعها ومدنيتها، إنها المدينة التي تجتمع فيها كل أطياف المجتمع اليمني لتصوغ لوحة تعايش فريدة، المظاهرات السلمية التي خرجت في شوارعها، والاعتصامات التي نددت بالانقلاب، والتلاحم الشعبي مع أبناء الجيش والمقاومة، كل ذلك أثبت أن تعز تجيد استخدام كل أدوات النضال: القلم في يد، والموقف السلمي في ساحة، والسلاح الشريف دفاعاً عن العرض والأرض في جبهات القتال.

لا يمكن الحديث عن تعز دون التوقف عند ملحمة الصمود في وجه الحصار الخانق الذي استهدف إركاع المحافظة، إن إغلاق الطرقات الرئيسية، وحرمان المدينة من المواد الأساسية، واستهداف خزان المياه والمهام الخدمية، كانت محاولات ممنهجة لكسر إرادة هذه المدينة، غير أن تعز تحولت إلى مدرسة في الابتكار والتكيف مع الأزمات؛ ففتح المواطنون طرقاً جبلية وعرة، وساروا في مناهج عيش قاسية، وأثبتوا أن الإرادة الإنسانية أقوى بكثير من أسوار الحصار.

هذا الصمود أذهل المراقبين، وأرسل رسالة واضحة لكل من يحاول استعباد هذا الشعب: إن تعز قد تُحاصر جغرافياً، لكن وعيها وفكرها وروحها يظل طليقاً يحلق في أرجاء الوطن.

يمكن القول: إن تعز اليوم تمثل البوصلة الموجهة لمستقبل اليمن، فلا يمكن لبناء دولة مدنية حديثة قائمة على المؤسسات، والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون أن يتحقق دون أن تكون تعز في قلب هذا المشروع ورأس حافزته. إنها الروح التي تعيد الشريان للجسد الوطني كلما أوشك على الانهيار.

ستبقى تعز دائماً وأبداً كما كانت: مهبطاً للعلم والتنوير، ومنبراً للحرية والكرامة، وقلعة للمقاومة والصمود، ومدرسة للوطنية الخالصة، سيمضي الحصار، وستندحر الميليشيات، وستنجلي الغمة، وتظل تعز شامخة شموخ جبالها، تعزف لحن الحياة، وترسم غد اليمن المشرق، وإن غدا لناظره قريب.