ربيش العليي وتد الجمهورية
بقلم/ أحمد حوذان
نشر منذ: شهر و 3 أيام
الخميس 03 سبتمبر-أيلول 2026 05:44 م
 

في الجبال التي احتضنت آخر خطواته، بقيت حسرة الرحيل معلقةً في الهواء، وبقي اسم ربيش علي وهبان العليي حاضرًا كعلامة لا تمحوها السنوات. ستة أعوام مضت على رحيل الرجل، لكن أثره ما زال شاخصًا في جغرافيا مأرب، كوتدٍ صلب غُرس في أرض الجمهورية، وكأن المكان الذي شهد سقوطه أبى أن يترك اسمه للغياب.

 

لم يكن ربيش رجلًا عاديًا في موقع عادي. كان شيخًا له مكانته، وعضوًا في مجلس النواب، وصاحب حضور اجتماعي وسياسي كان يمكن أن يفتح له أبوابًا واسعة نحو حياة أكثر أمنًا ورفاهًا. كان يستطيع أن يختار المنفى المريح، أو أن يبتعد عن خطوط النار، وأن يتابع الحرب من شاشات الأخبار، لكن الرجل اختار لنفسه طريقًا آخر؛ طريق الجبال والخنادق والمتاريس.

 

حين نادى الوطن، استجاب.

 

لم يرَ في مقعد البرلمان حصانةً من الواجب، ولم يعتبر مكانته الاجتماعية جواز مرور إلى خارج المعركة. وحين بدأت ملامح المشروع الحوثي تتكشف، أدرك أن الأمر أكبر من صراع على سلطة، وأبعد من خصومة بين أحزاب، وأخطر من خلاف سياسي يمكن احتواؤه بصفقة أو تسوية.

 

كان يرى مشروعًا مسلحًا يتقدم نحو الدولة، ويهدد فكرة الجمهورية، ويحاول أن يجعل السلاح مصدرًا للشرعية، والسلالة أساسًا للحق في الحكم.

 

لذلك اختار أن يترك المقعد حين أصبح المقعد أقل قيمة من المتراس.

 

غادر قاعات البرلمان إلى الميدان، وترك لغة البيانات لصوت الرصاص، ومضى إلى الجبال والشعاب والرمال، حيث لا تمنح الحرب أحدًا فرصة للتخفي خلف منصبه أو اسمه. هناك كان الرجل واحدًا من المقاتلين، يشاركهم قسوة الطريق، ويقف إلى جانبهم في اللحظة التي لا تنفع فيها الألقاب.

 

كانت تلك هي الرسالة التي تركها ربيش من دون خطب طويلة: أن الرجل الذي يطلب من الآخرين أن يدافعوا عن وطنه، عليه أن يكون في مقدمة المدافعين عنه.

 

وفي جبهة المخدرة غربي مأرب، اكتملت سيرة الرجل بالطريقة التي اختارها لنفسه؛ في الميدان، وبين الرجال، وهو يواجه الخطر الذي آمن منذ البداية بأنه لا يمكن تركه يتقدم بلا مقاومة.

 

رحل ربيش، لكن السؤال الذي خرج به إلى الجبهة بقي حيًا: ماذا يبقى من الجمهورية إذا تراجع رجالها عندما تصبح حمايتها مكلفة؟

 

كان جوابه واضحًا.

 

الوقوف.

 

ولهذا فإن استحضار ربيش في ذكراه السادسة ليس استدعاءً لصورة رجل رحل فقط، وإنما استحضار لجيل كامل من الرجال الذين فهموا أن الدولة لا تُحمى بالتمنيات، وأن الجمهورية لا تصمد بالخطابات إذا لم تجد في الميدان من يضع جسده أمام الخطر.

 

في مأرب، كانت أسماء الشهداء تتوالى كما تتوالى الجبال في الأفق؛ اللواء الركن عبدربه الشدادي، والعميد الركن عبدالغني علي عبدالله شعلان «أبو محمد»، واللواء الركن أمين الوائلي، واللواء الركن ناصر الذيباني «أبو منيف»، والعميد الركن محمد محمد صالح الوحيشي، وغيرهم من القادة والضباط والمقاتلين الذين جعلوا من مأرب سدًا في وجه المشروع الحوثي.

 

وفي تعز، حمل رجال آخرون الراية ذاتها؛ العميد الركن عدنان الحمادي، قائد اللواء 35 مدرع، والعميد الركن محمد المحمودي، أركان حرب اللواء 22 ميكا بمدينة تعز، والعقيد عبده حمود الصغير، أركان حرب اللواء 17 مشاة، والشيخ القائد جاسم العلياني، والقائد رضوان العديني، وكل من وقف في خطوط المواجهة دفاعًا عن المدينة والجمهورية.

 

وعلى الساحل الغربي، كانت للمقاومة الوطنية والقوات المشتركة حكاية أخرى من الدم والصمود، امتدت من باب المندب إلى الخوخة والجاح ومناطق الساحل. هناك برز العميد يحيى عبدالله وحيش «أبو نشطان»، قائد الفرقة الأولى مشاة بالمقاومة الوطنية، ومن أبرز القيادات التي خاضت المعارك في خطوط النار الأولى من باب المندب إلى الخوخة. وإلى جواره كان العميد حسن دوبلة، قائد الكوكب الثاني بالمقاومة التهامية والقوات المشتركة، ومن الرعيل الأول لمؤسسي جبهات الساحل الغربي.

 

وفي الميدان نفسه ارتقى العميد عبدالغني الشبحي، قائد اللواء السادس عمالقة، أثناء قيادته المعارك الميدانية في جبهات الساحل الغربي، وسقط العقيد نبيل السهيلي، قائد الكتيبة الثانية باللواء الأول مقاومة وطنية، في معارك تحرير منطقة الجاح بالحديدة، كما ارتقى العقيد خيري الشعيبي، قائد الكتيبة الأولى باللواء الأول حراس الجمهورية، في خطوط المواجهة بالساحل الغربي، ولحق بهم النقيب أسامة بن أحمد الزوقري، قائد كتيبة في ألوية حراس الجمهورية، وهو يتقدم الصفوف في معارك الساحل.

 

تلك الأسماء لا تنتمي إلى جبهة واحدة، ولا إلى منطقة واحدة، ولا إلى مدرسة سياسية واحدة، لكنها اجتمعت عند معنى واحد: الجمهورية حين تصبح مهددة تحتاج إلى من يحملها فوق كتفيه، لا إلى من يكتفي بالحديث عنها.

 

ومن دماء هؤلاء الرجال ظل نبض سبتمبر وأكتوبر حاضرًا. فالثورتان لم تكونا تاريخًا انتهى بانتهاء أيامهما، بل صارتا هوية وطنية ومرجعية سياسية واجتماعية ظلت تتعرض للاختبار كلما حاول مشروع سلالي أن يعيد اليمن إلى الوراء.

 

ولهذا فإن مأرب لم تكن في حساب المعركة مدينةً تحاصرها المليشيا فحسب؛ كانت في أحد معانيها جدارًا أخيرًا أمام سقوط فكرة الجمهورية. وكل رجل وقف في خندقها كان يعرف أن خلفه وطنًا كاملًا، وأن انكسار الجبهة قد يفتح الباب أمام انكسار أكبر.

 

ربيش فهم ذلك مبكرًا.

 

ولهذا لم ينتظر حتى تصبح النار في عتبة منزله، ولم يراهن على أن الآخرين سيحمون ما يعتقد أنه حق للجميع. ذهب إلى حيث بدأت النار، وحمل نصيبه من الخطر، ثم مضى شهيدًا وهو يدافع عن الفكرة التي اختارها.

 

والمؤلم أن السنوات التي جاءت بعد رحيله أكدت اتساع الخطر الذي واجهه. فالجماعة التي قاتلها ربيش في الجبال لم تبقَ محصورة في الجغرافيا البرية، بل اتسعت قدراتها وأدواتها، وامتد تهديدها إلى البحر الأحمر وباب المندب والملاحة الدولية، بما يتقاطع مع أجندة إيران في المنطقة.

 

الخطر الذي وصل إلى البحر كانت له بدايات على الأرض.

 

لكن العالم تأخر طويلًا في قراءة هذه الحقيقة. وبينما كان اليمنيون يقاتلون في الجبهات، ظلت المقاربات الدولية أسيرة إدارة الأزمة، وحسابات التسويات، ومخاوفها من التداعيات الإنسانية، حتى حصلت الجماعة على مساحة زمنية أعادت خلالها بناء قدراتها العسكرية وتطوير وسائلها وتوسيع نطاق تهديدها.

 

هكذا اتسعت دائرة النار.

 

من الجبل إلى المدينة، ومن الجبهة إلى الساحل، ومن البر إلى البحر.

 

وفي كل مرحلة كان اليمنيون هم من يدفعون الثمن.

 

أما ربيش، فلم ينتظر نتائج الحسابات الدولية، ولم يضع الجمهورية في غرفة الانتظار. اختار موقفه، ودفع ثمنه، ومضى.

 

ولعل هذا هو المعنى الأهم في ذكراه؛ أن قيمة الرجل لا تُقاس بما يملكه من موقع، وإنما بما يفعله حين يصبح الموقع نفسه امتحانًا للضمير.

 

كان بإمكان ربيش أن يكون نائبًا يراقب المعركة، لكنه اختار أن يكون رجلًا داخلها.

 

وكان بإمكانه أن يعيش بعيدًا عن الخطر، لكنه اختار أن يقترب منه.

 

وكان بإمكانه أن يترك غيره يحمل السلاح، لكنه حمله بنفسه.

 

ومن هنا بقي اسمه.

 

بقي في مأرب، في الخندق الذي احتضن آخر معاركه، وفي ذاكرة الرجال الذين عرفوه، وفي ذاكرة وطنٍ ما زال يبحث عن طريق الخلاص من مشروع السلاح والسلالة.

 

ست سنوات على رحيل ربيش، وما زال اليمن بحاجة إلى المعنى الذي مثّله؛ دولة تتسع لكل أبنائها، وجمهورية لا تمنح حق الحكم على أساس النسب، ووطن لا يكون فيه السلاح أعلى من القانون.

 

رحل الرجل، لكن موقفه لم يرحل.

 

غابت قامته عن المتراس، وبقي المتراس شاهدًا عليه.

 

وغاب صوته، وبقيت سيرته تقول إن هناك لحظات في تاريخ الأوطان لا يكفي فيها أن تعرف أين يقف الحق؛ بل يجب أن تملك شجاعة الوقوف إلى جانبه.

 

ربيش العليي كان واحدًا من أولئك الذين وقفوا.

 

رحم الله ربيش العليي، ورحم الله عبدربه الشدادي، وعبدالغني شعلان «أبو محمد»، وأمين الوائلي، وناصر الذيباني، ومحمد محمد صالح الوحيشي، ورحم الله عدنان الحمادي ورفاقه في تعز، وقادة الساحل الغربي، وكل شهداء اليمن الذين ارتقوا دفاعًا عن الدولة والجمهورية.

 

ستظل أسماؤهم محفورة في ذاكرة اليمن، وستظل الجبال والسهول والسواحل شاهدة على رجالٍ لم يساوموا على وطنهم حين كان الوطن في أمسّ الحاجة إليهم.

 

الرحمة والرضوان لشهداء الجمهورية، ولتبقَ تضحياتهم عهدًا في ذاكرة الأجيال.