آخر الاخبار
لماذا تأخرت عملية الحسم العسكري ضد مليشيا الحوثي؟
بقلم/ أحمد عايض
نشر منذ: أسبوع و 4 أيام و ساعتين
السبت 29 أغسطس-آب 2026 07:17 م

قادت الحكومة اليمنية خلال 24 ساعة الماضية ثلاث تحركات ديبلوماسية لا تبدو في توقيتها ومضامينها انها مجرد نشاط دبلوماسي روتيني بل تحمل مؤشرًا سياسيًا واضحًا مفادها أن الحكومة اليمنية تقود معركة ديبلوماسية بهدف إعادة صياغة طريقة تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة اليمنية والانتقال من سياسة إدارة الصراع واحتواء الحوثيين إلى البحث عن مسار أكثر حسمًا تجاه الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.

المؤشر الأهم في هذه التحركات أنها جاءت في ثلاث مسارات متوازية كانت موجهة إلى واشنطن ولندن وهي الأطراف الأكثر تأثيرًا في صياغة الموقف الدولي من اليمن.

فعضو مجلس القيادة الرئاسي سلطان العرادة أبلغ القائم بأعمال السفير الأمريكي لدى اليمن بـ«تماسك وحدة الموقف في مجلس القيادة الرئاسي، وقدرة الدولة على مواجهة المخاطر واستعادة دورها وبسط سلطتها على كامل التراب الوطني»، مؤكدًا أن «استمرار حالة عدم الاستقرار في اليمن لا تقتصر تداعياته على الداخل، وإنما تمتد آثاره إلى أمن المنطقة والممرات البحرية الدولية».

وإلى لندن وجه رئيس مجلس النواب سلطان البركاني رسالة سياسية مشابهة، حين أبلغ سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن بأن استعادة العاصمة صنعاء وإعادتها إلى محيطها العربي تمثل أساسًا لاستعادة الأمن والاستقرار والسلام، وأن إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة يتطلبان موقفًا دوليًا حازمًا.

أما في واشنطن فقد حملت مباحثات سفيرة اليمن لدى الولايات المتحدة مع مساعد وزير الخارجية الأمريكي رسالة ثالثة، تمثلت في التأكيد على «تماسك القيادة السياسية وقدرة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمؤسسات الحكومية على حماية سيادة البلاد والتصدي لاعتداءات جماعة الحوثي المدعومة من إيران».

الرسالة اليمنية تبدو واضحة: الدولة تقول لحلفائها الدوليين إنها موجودة، وقيادتها السياسية متماسكة، ومؤسساتها وقواتها قادرة على خوض المعركة، وإن المشكلة لم تعد في القدرة على المواجهة بقدر ما أصبحت في توفير الغطاء السياسي والدولي اللازم لها.

وهنا تحديدًا يبرز السؤال الأصعب ..لماذا تأخرت عملية الحسم العسكري ضد مليشيا الحوثي؟

الإجابة لا تكمن فقط في ميزان القوى الداخلي ولا في القدرات العسكرية للأطراف وإنما في الحسابات الدولية التي أحاطت بالحرب اليمنية منذ بدايتها.

فالمجتمع الدولي، طوال السنوات الماضية، تعامل مع الحوثيين باعتبارهم طرفًا يجب احتواؤه وإبقاؤه داخل مسار تفاوضي، حتى عندما كانت الجماعة تعيد إنتاج أسباب الصراع وتوسع نفوذها العسكري والسياسي.

لكن هذه السياسة لم تحقق حتى الآن النتيجة التي كان يفترض أن تحققها.

احتواء الحوثيين لم يؤدِّ إلى إنهاء الانقلاب، ولم ينتج سلامًا مستدامًا، ولم يُعد مؤسسات الدولة إلى العاصمة صنعاء.

ومن هنا يمكن فهم التحرك اليمني الأخير باعتباره محاولة لدفع المجتمع الدولي إلى مراجعة معادلة قديمة: هل يمكن الاستمرار في إدارة الأزمة اليمنية من دون معالجة أصلها السياسي والعسكري؟

الحكومة اليمنية في هذه المرحلة تبدو وكأنها تسعى إلى انتزاع موقفين رئيسيين.

الأول من واشنطن.. ويتمثل في الحصول على دعم سياسي وأمني وعسكري إلى جانب التأثير في الحسابات الإقليمية المرتبطة بالملف اليمني.

وهذا الجانب شديد الحساسية بالنسبة للإدارة الأمريكية، في ظل المخاوف من اتساع رقعة الصراع الإقليمي وانعكاساته على أمن الملاحة والطاقة والتجارة العالمية.

فأي مواجهة واسعة تمتد إلى مضيق هرمز وباب المندب في الوقت نفسه ستكون من منظور واشنطن أكثر من مجرد حرب إقليمية إذ يمكن أن تتحول إلى أزمة عالمية تضغط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة.

ولهذا فإن الولايات المتحدة قد تجد نفسها أمام معادلة معقدة: دعم استعادة الدولة اليمنية من جهة وتجنب انفجار إقليمي أوسع من جهة أخرى.

أما لندن، فتكتسب أهميتها من موقعها داخل مجلس الأمن ومن دورها في الملفات المرتبطة بالبحر الأحمر والملاحة الدولية بحكم أنها صاحبة القلم في الملف اليمني.

وتسعى الحكومة اليمنيةإلى أن يتحول الموقف البريطاني من مجرد الدعوة إلى خفض التصعيد والتسوية السياسية إلى موقف أكثر وضوحًا تجاه أصل المشكلة، «الانقلاب الحوثي واستمرار سيطرتهم على مؤسسات الدولة.

لكن المشكلة أن الموقف البريطاني المعلن، حتى أسبوع من كتابة هذه السطور لا يزال يدور حول خفض التصعيد والتوصل إلى تسوية سياسية.

 

ولهذا قادت الحكومة اليمنية خلال الأسابيع الماضية ماراثونًا ديبلوماسيًا مع رعاة المبادرة الخليجية وأعضاء مجلس الأمن في محاولة لإقناعهم بأن سياسة الانتظار والاحتواء لم تعد تنتج حلًا، وأن استمرار الوضع القائم لا يعني تجميد الأزمة، بل يعني منح الحوثيين مزيدًا من الوقت لإعادة ترتيب أوراقهم وترسيخ واقع الانقلاب.

الحكومة اليمنية تحاول عمليًا إعادة تعريف المشكلة أمام المجتمع الدولي من صراع بين طرفين يمكن احتواؤه بالتفاوض إلى قضية دولة سقطت مؤسساتها بانقلاب مسلح وأصبح استمرار هذا الوضع مصدر تهديد ليس لليمن وحده بل لأمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.

وهذه النقلة في خطاب الشرعية مهم للغاية؛ لأنها إذا نجحت، فقد تفتح الباب أمام تغيير قواعد التعامل الدولي مع الحوثيين.

لذلك فإن التحركات اليمنية الأخيرة لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد سلسلة من اللقاءات الدبلوماسية فقط بل كونها تحرك لمحاولة خلق غطاء سياسي ودولي لمعركة استعادة الدولة قبل خوضها على الأرض.

ويبقى السؤال الحاسم: هل تستطيع الحكومة اليمنية إقناع العواصم الغربية بأن ساعة الحسم قد حانت أم أن حسابات الأمن الإقليمي والملاحة والطاقة ستدفع المجتمع الدولي مرة أخرى إلى تأجيل المواجهة والإبقاء على اليمن في دائرة «إدارة الأزمة» بدلًا من إنهائها؟