آخر الاخبار

كيف أعرف أن لدي مشكلة في الكلى؟.. 4 علامات تظهر في البول احذرها السعدي يضع شروط الحكومة للسلام أمام غروندبرغ.. إنهاء انقلاب الحوثيين واستعادة الدولة في صدارة المطالب تعز.. قرار طارئ يعلّق الدراسة ويمنح الموظفين إجازة مؤقتة في المديريات الخاضعة للحوثيين القوات المسلحة تعلن حصيلة جديدة لعمليات فجر اليمن وتكشف عن تحييد 1860 حوثياً كرمان من بروكسل: الحوثي أجهض ديمقراطية اليمن واستبدل السياسة بالسلاح.. ولا سلام مع حكم الميليشيات اليمن تشارك في المؤتمر الإقليمي الخامس لنظام المعلومات الصحية DHIS2 بآسيا والمحيط الهادئ الرياض وواشنطن تبحثان تأمين باب المندب.. تحالف بحري متعدد الجنسيات يستعد للمواجهة الخطوط اليمنية تطمئن المسافرين: الرحلات مستمرة في مطار عدن رغم أحداث الفجر توماس فريدمان يشيد بتوكل كرمان: بطلة عربية للديمقراطية تحمل درسًا قاسيًا لأميركا زلزال يهز الاستخبارات الألمانية.. رئيسها الأسبق متهم بتسريب 2000 وثيقة سرية

رحلة الصيف إلى مأرب 1-2
بقلم/ ا.م.د / محمد معافى المهدلي
نشر منذ: شهرين و 10 أيام
الثلاثاء 28 يوليو-تموز 2026 06:00 م
 

السّفر والرّحلة إلى اليمن بشقّيها الشرعي وغير الشرعي - في هذه الآونة - يعدّ مغامرةً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فثمة مخاطر طبيعية وبشرية وأمنية تجعل المرء يُعيد النّظر في السّفر إلى اليمن ألف مرة، ولعلّ هذه الأسباب والمخاطر وضعف الخدمات هي التي تجعل معظم مسؤولي البلاد يديرونها عن بُعد - كيفما اتفق- من خارج البلاد لا من داخلها، فليست البلاد مهيّئة للإقامة و لا السكن ولا العيش، حتى في تلك المحافظات المسمّاة بالمحرّرة، سيما في فترة الصيف، لولا ما أودعه الباري عزوحل في هذه الأرض من جمال وخيرات ومحاسن ذاتية ساحرة، أرضًا وإنسانًا، لا نظير لها في العالمين.

وكذلك ما تمثله تلك الجموع الغفيرة والطوابير التي لا نهاية لها من المهاجرين من داخل البلاد إلى خارجها، والتي تقف لأيام وليالي على منفذ الوديعة طمعًا في مغادرة جحيم البلاد وضيق العيش، إلى دول الجوار، رغم فواتير الذل والخسائر المادية والمعنوية. 

سأدوّن مشاهداتي في هذه الأسطر، عن البلدة، كعابر سبيل، وسائح، بكل تجرد، عسى أن تصل هذه المشاهدات لبعض ذوي القرار، وعسى أن تلامس شعورهم ومشاعرهم، فيسعون لمعالجتها، ولا أرى مطلقًا أيما تعارض بين معركة التحرير ومعركة البناء، وأنه من الممكن أن تتوازى المعركتان، بل إن أحدهما ليكمل الآخر، خاصة في هذه البلدة الطيبة المخزونة بكل الخيرات والموارد والنّعم .

 

في رحلتنا الصيفية إلى مأرب والتي بدأت بتاريخ الأحد: ٢٠٢٦/٧/٤م .

 قطعنا إلى مدينة مأرب زهاء ٢٥٠٠كم، وحين ولجنا المدينة وجدنا في أطراف مأرب عمارة فخمة جميلة لقناة سبأ الفضائية لعلّها من أجمل عمارات مأرب، ويفترض في القناة أنْ تحاط بالحدائق والمنتزهات الجميلة، ولكن في مأرب الحضارة والتاريخ، تحيط بالقناة طوابير سيارات البترول الطويلةجدًا لبضعة كيلومترات، عن اليمين والشمال، وكلما حاولتَ الانتهاء من عبور طابور وجدتَ له امتدادات أخرى لبضعة كيلومترات.

الناس الطيبون الأكارم في هذه المدينة التاريخية قد أَلفوا هذا الوضع المزري والقاتل والمدمر لكيان الإنسان وكرامته، وقد تطاول الزمان على هذه الحالة المأربية وتعاقب عليهاالزمان، وأكل وشرب عليها وشاخ وهرم، حتى صارت روتينًا وجزءًا من أذكار وتراتيل الحياة اليومية المأربية المعتادة!!!.

 

مأرب مدينةٌ أثريةٌ وتاريخيةٌ فيها آبار البترول والغاز والمعادن، ومع ذلك هذا وضعها منذ ما يربو على ١٢ عامًا أو أكثر، من التدهور الخدمي والإنساني، بل لم تحظى هذه المدينة التاريخية بوفرة الخدمات منذ عهد ثورة سبتمبر ١٩٦٢م وإلى يومنا، بسبب تعاقب حكومات الفساد والفيد.

 

نعود إلى ذلكم الطابور الأطول في العالم، في الأثناء تغادر المحطة امرأة تقود سيارتها مع أطفالها، وعجوزٌ أخرى فانية تقود سيارة هايلوكس متهالكة جدًا، موديل الثمانينيات، وفي المشهد الحارق شمسًا وغبارًا، طفلٌ آخر بعثه والده إلى المحطة ليأتي بالبنزين، وعلى اليمين سيارةٌ أخرى معطلةٌ، وعلى اليسار وقفت سيارة أخرى لنقل البنزين إلى سيارة أخرى، مما أعاق حركة الطابور المبارك، تنقلك تلك المشاهد من الهلع والتدافع والأغبرة والأتربة والعواصف إلى مشهد يوم الدين (وإذا العشار عطلت).

 

كل من خرج من تلك المحطة وذانك الطابور خرج فرحًا مسرورًا، لكنه فرحٌ يخالطه الحزن فبعد ستة أيام كما هو مقرر في تلك المحطة وأخواتها، في مأرب، عليه العودة إلى ذلك الطابور المشؤوم، لجرعة بترولية أخرى لسيارته، كيما يحيا ويعيش إلى حين، ليأخذ مكانه ودوره في ذلك الطابور، الذي لا أول له ولا آخر.

لعلّ الحكومة المحروسة تبرر هذه الطوابير بأنّ سعر البنزين في مأرب هو الأرخص عالميًا، دون أن تجيب على سؤال "وما هي الضرورة الوطنية أو التجارية أو الاقتصادية لتلك الطوابير"؟؟.

 

فضائية سبأ بدورها تُغني وترقص ليل نهار، ولو أَطلّت بنصف عين ونظرت إلى أسفل قدمها من شرفة عمارتها الحسناء لرأت آلاف السيارات المجاورة والمحاصرة للقناة، ورأت تلكم الطوابير الطويلة تحثّ السير نحو تلك المحطة المحاطة بكثبان الرمل والأسلاك، ولرأت عدسة القناة مهما كانت عمياء، سيول العَرق وجبال الأتربة والأغبرة تحيط بها، لكن يبدو ليس للقناة أعيناً تبصر بها.

 

 الإعلام اليمني عمومًا له مذاق خاص جدًا، لمسناه أثناء إقامتنا في مدينة مأرب، حتى القناة اليمنية الشرعية الرسمية، تنقل صورًا للفتيات اليمنيات البائسات وهنّ ينقلن الماء من أسفل الجبل إلى أعلاه، إحداهن تحمل على رأسها حزمة حطب ضخمة، وفي يدها الأخرى قِنان الماء، لتسير بكل تلك الحمولة الثقيلة على رأسها، إلى قريتها البعيدة، مع جمع من النسوة في صف واحد، يسرن في طريق وعرة شديدة المخاطر، وبالطبع القناة اليمنية المحروسة تصور هذه المرأة اليمنية في قوتها الأسطورية، على أنها دبابة ميركافا، في مشهد ماتع مع أغاني أيوب، كجزء من التراث اليمني الأصيل، ومصائب قومٍ عند قوم فوائدُ، وتختلط المتعة بالحسرات والعذاب الأليم لأولئك الأمهات التي تعجز الدولة أن توفر لهن شربة الماء إلى بيوتهن!!!.

معظم وسائل الإعلام اليمنية إما تزوّر معاناة اليمنيين وتحوّلها ميدانًا للمتعة والتلذذ والاسترواح، كقناة اليمن الفضائية، أو تتغافل عن نقل معاناة اليمنيين كقناة سبأ المحاطة بطوابير البترول لسنوات طويلة، دون أدنى وطنية أو شعور من القناة بمعاناة اليمنيين.

 

ملف الكهرباء في مأرب هو الآخر يؤكد لك أنّ الإعاقة لدى "الحكومة الشرعية" ذهنية وعقلية وفكرية، وليست إعاقة عضوية فحسب، الانطفاءات متكررة في كل البلاد، لكنها في مأرب، ذات مذاق خاص، فالكهرباء الماربية لا تضيء وتنطفئ، وإنما تنطفئ ثم تنطفئ، أحيانا خلال بضع دقائق،، ربما للتأكد من احتراق وعطب الأجهزة المنزلية، والسادة مسؤولي الدولة بالطبع لا تعنيهم المستشفيات ولا حالات الأطفال الخدّج ولا مرضى الغسيل الكلوي، ولا المساجد ولا المدارس ولا الأسواق ولا الثلاجات التي تتعفن فيها المواد الغذائية سيما في فترة الصيف، فالأمر لا يعنيهم لأنهم في عيشة هنيّة في فنادقهم في الخارج!!.

 

ظنّي أنّ الحكومة "الشرعية" ومن ورائها التحالف العربي لدعم الشرعية عاجزون عجزًا تامًا عن تقديم أيّما دعم أو حلول لأزمات البلاد المتفاقمة، وفي مقدمتها أزمات البنزين والكهرباء والعطالة والبطالة.. حتى لو رحل الحوثيون، فستبقى هذه الأزمات، علامة ظاهرة في مؤخرة النظام والدولة اليمنية الشرعية، ملازمة له لا تغيب مهما تحسنت الظروف، إن تحسنت، بدليل مرور عقد من الزمن ونقترب من نصف العقد الثاني، دونما حلول أو بوادر حلول تذكر، وكل ما يراه المواطن تجدد الحكومات، وكلما جاءت حكومة لعنت أختها.

 

مدينة مأرب مدينةٌ خصبةٌ وأرضٌ طيبةٌ، كما ورد وصفها في آي الذكر الحكيم، وفيها أجود أنواع الثمار والمياه والمعادن والآثار العالمية، وكل من زار هذه المدينة الرائعة والتاريخية الفاضلة يتحسر حسرات قاتلة لوضع هذه المدينة الثريّة والغنية بخيراتها، الفقيرة جداً إلى إدارة أردوغانية ولو لساعات.

وليت طاقم الحكومة المهاجرة تزور بعض دول الجوار، كالصومال أو جيبوتي لتنهل من خبراتها الإدارية والتنظيمية، لكن كما هو معلوم الدولة قيادة وحكومة شبه شلاّء لأسباب داخلية وخارجية لا تخفى على عليم. 

 

 بجوار آبار النفط على خط العبْر الوديعة، خط فيه كل المآسي والنكبات، حيث ترتفع في تلك المنطقة درجة الحرارة لتصل من ٤٠ إلى ٤٥ درجة مئوية، وفي شدة هذا القيظ من الحرارة تجد كثيرًا من الناس يستقلّون سيارات مكشوفة فيتعرضون للشمس المحرقة والأغبرة والأتربة والمطبات، حتى الملابس البيضاء أخذت ألوان التراب والمطبات وخضرة القات، ويتعرض الناس للحوادث المرورية المروعة بسبب ضرورة السرعة الزائدة التي تفرضها الطريق، لتخفيف حفريات الطريق، فكل شيء في تلك الطريق المحاطة بأدخنة آبار النفط، عبارةٌ عن تكسرات وحفريات ومطبات، ورغم مرور السنوات المتوالية عليها، لا تجد في السلطة المحليّة رجل رشيد، يلتفت إلى هذه الطريق الدولية بطرف عينه.

 

 لا تجد لدى السلطة الشرعية شعور ولا مشاعر ولا حس ولا أحاسيس، فمنذ أن تطأ قدمك المنفذ اليمني، حتى تغادره، توقن أنّ البلد تديرها جمادات حجرية سيما في نقطة منفذ الوديعة الذي هو الآخر يشكو الدمار والخراب، ويفتقر لأدنى مقومات الحياة والنظافة والعصرنة على مدى عقدين من الزمان أو تزيد.

 

بالطبع أبرز مظاهر المدينة هي الفقر والفاقة، حتى أنّ بعض الناس ينتزع انتزاعًا طعام ومصاريف عياله وأسرته من جمع المواد المعدنية والمعلبات البلاستيكية، وهذا ملف مأساوي آخر، فقد وقفتُ على حالة كان صاحبها يجمع المواد المعدنية لبيعها وإعادة تدويرها فوقعت يده على لغم في شكل معلّب، وانفجر فيه اللغم، وكتب له عُمْرٌ جديد، ولايزال في المستشفى بعد بتر إحدى ساقيه وخصيته وبعض الشظايا أصابت أجزاءًا مختلفة من جسمه.

وبين الفينة والفينة نسمع عن مآسي الألغام، وهي بمئات الآلاف، وبحاجة إلى جهود جبارة ومتواصلة لإزالتها ونزعها، وليت وسائل الإعلام الرسمية تتبنى حملة إعلامية للتحذير من المتفجرات والألغام، طالما والدولة عاجزة عن نزع الألغام، فليس أقل من صناعة وعي مجتمعي من مخاطر التعامل مع الأجسام الغريبة.  

 

ختامًا للإنصاف والأمانة العلمية لايفوتني الإشارة إلى بعض المستجدات الإيجابية في مدينة مأرب الجديرة بالذكر والنشر والاشادة ومنها:

١. ثمة تغييرات رائعة جدًا في النقاط الأمنية كتحسين وتوفير الخدمات المعيشية لحراس هذه النقاط، وتوفير الظّل والمصلى وبعض الخدمات الحيوية المقبولة، مقارنة بما سبق، بفضل الجهود الأهلية والشعبية، فمعظم تلك المظلات وجدنا عليها إعلانات تجارية أهلية، مما يشير أنها بنيت وشيّدت بجهود أهلية لا رسمية.

 

أيضا سررنا وسُر كلّ مسافر بتعامل الجنود في هذه النقاط، وتمثيلهم البلاد تمثيلًا جيّدا، وقد رأينا مشهدًا عجيبًا وغريبًا وفريدًا، وهو أنّ معظم هذه النقاط الأمنية من الوديعة إلى قرب مدينة مأرب، لم تر أعيننا فيها مخزنًا للقات، وقد حارت عقولنا كل الحيرة في فهم هذه الظاهرة المستجدة، وغير المعتادة، وظننا أنها توجيهات وزارة الدفاع - الجديدة- للقضاء على القات، لكن للأسف وجدنا على أبواب مأرب مخزنون بل بعضهم يخزن صباحًا ومساءًا، فازدادت حيرتنا، ثم علمنا بعد حين أنّ هؤلاء الحراس غير المخزنين، هم من التيار السلفي، وإن صحّ هذا القول فأمر يشكر عليه السلفيون، ونتمنى لهذه الظاهرة الديمومة والاستمرار والعموم والبقاء.  

 

٢. في مدينة مأرب يأسرك توفر المياه حيثما حللت وارتحلت، وبالمجان، أو شبه المجان، وبوفرة جيدة.

 

٣. في المدينة أيضا الكهرباء وبعض الخدمات الصحية مجانية، ربما بسبب الاسهامات الدولية، والإقليمية.

 

٤. في مأرب ما يشبه المنطقة الحرة، يباع فيها كل شيء، حتى السلاح الخفيف والمتوسط، وبيع البنزين بسعره العالمي.

 

٥. حالة الإيثار التي تعم البلدة، فقد استطاعت مأرب أن تحتضن أكثر من ثلاثة ملايين نازح، وتحولت مدينة مأرب إلى أحياء ومربعات مترامية الأطراف، واستوعبت المدينة كل النازحين، ونظرًا لغياب خدمات الدولة ورعايتها، فقد عمّت المساكن العشوائية المدينة، لدرجة أنّ أحياءًا سكنية كاملة بُنيت في مجاري السيول، كما في حي النسيم.

 

أكتفي بهذا القدر، وألقاكم في الجزء الثاني من المقال للحديث عن الدولة والقبيلة في مأرب تعاون أو تصارع، والعلاقة بينهما، وحديثٌ عن المكونات السياسية والدعوية في المدينة، وعوامل النماء والإخاء. والله الموفق والمستعان.