أقلامُ أبي رغال
بقلم/ سلطان الذيب
نشر منذ: شهرين و 28 يوماً
الأحد 19 إبريل-نيسان 2026 05:19 م

من أصعب المشاهد التي قد تمر على المرء في مسيرته الصحفية أو النضالية ليس مشهد العدو الذي يواجهك بوضوح وصراحة بل مشهد الرفيق الذي كان يتقاسم معك رغيف الصبر ووجع النزوح ثم تجده فجأة خلف شاشة باردة يكيل التهم ويزيف الحقائق ضد المدينة التي كانت يوماً سماءه وأرضه.

 مأرب التي فتحت ذراعيها حين أوصدت كل الأبواب وقدمت المأوى والأمان والكرامة لكل من خرج هارباً بفكره وروحه من جحيم المليشيا فإذ بهذا الجميل يُردُّ طعنات في الظهر وتحريضاً فجاً لا يمت للحقيقة بصلة.

إننا حين نتحدث عن مأرب فنحن لا نتحدث عن مجتمع من الملائكة المنزهين فلسنا ندّعي الكمال المطلق في بقعة جغرافية تخوض حرباً وجودية وتستقبل الملايين في ظروف استثنائية ومن الطبيعي جداً أن تحدث أخطاء هنا أو قصور هناك فنحن بشر نصيب ونخطئ لكن العقل والضمير يفرقان بوضوح بين النقد البنّاء الذي ينبع من الحرص على المؤسسات وبين ذلك التضخيم الخبيث الذي يتحين الفرصة للنيل من المدينة ومن خلفها كل المكونات الوطنية حيث تتحول الهفوة الصغيرة في عيون بائعي الذمم إلى ذريعة لشيطنة قلعة الجمهورية الأخيرة مقابل ثمن بخس.

المؤلم في حكاية هؤلاء ليس فقط فعل الجحود بل ذلك التوظيف الرخيص الذي يجعل من الصحفي أو الناشط مجرد أداة بيد من يدفع حيث يُطلب منه ممارسة دور كابي رغال المعاصر الذي يخون قومه ليدل الغزاة على ثغرات دارهم. إنهم يبيعون تاريخهم ورفاقهم مقابل فتات لا يبني مستقبلاً بل يهدم سيرة ومسيرة ويتحول القلم الذي كان يُفترض به أن يكون منبراً للحق إلى سيف مأجور يُشهر في وجه من آووه ونصروه وكأنها وظيفة قذرة كُلفوا بها لتزييف الوعي وخلط الأوراق في لحظة تاريخية فارقة لا تحتمل هذا النوع من الطعنات.

إن المسار الذي يسلكه هؤلاء المهرولون في طريق الزيف هو انتحار معنوي بكل ما تعنيه الكلمة فالمال يذهب والمناصب تزول وما يبقى في ذاكرة الشعوب هو المواقف المشرفة والوفاء للملح والخبز. والحرص على الوطن يبدأ من حماية مكتسباته الكبرى وعدم السماح للأخطاء الجانبية أن تكون جسراً يعبر فوقه المتربصون لذا وجب التنبيه والتوعية بأن الكلمة أمانة وأن من ارتضى لنفسه أن يكون صوتاً للممول ضد أهله ورفاقه سيكتشف يوماً أنه خسر نفسه قبل أن يخسر وطنه ولن يجد في نهاية الطريق سوى الندم ووصمة الجحود التي لا يغسلها اعتذار متأخر.