آخر الاخبار

وكيل وزارة الداخلية يعلن عن خطة لملاحقة خلايا نائمة ويؤكد تعزيز الشراكة الأمنية مع السعودية دراسة لـ مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية: اتفاق مكة للدفاع المشترك يُعيد تشكيل موازين الردع في الشرق الأوسط ويعيد تشكيل منظومة الأمن الإقليمي وزارة النقل تكشف تفاصيل جديدة عن استهداف الحوثيين السفينة اليمنية التجارية ''تهامة'' وحمولتها وحصيلة بالضحايا (صورة) كولومبيا تعترف بسيادة اسرائيل على الجولان المحتلة.. دمشق ترفض والرياض تدين نجاة قائد عسكري من محاولة اغتيال في شبوة مقتل باكستانيَيْن وإندونيسي في هجوم حوثي استهدف سفينة تجارية قبالة باب المندب سوريا: الحكم بإعدام بشار الأسد وشقيقه ورموز في نظامه المخلوع الكويت تسحب الجنسية عن أكثر من 180 شخصًا أصولهم يمنية موجهات رئاسية لوسائل الإعلام الوطنية: ''أنتم في قلب المعركة ودوركم محوري لكشف التضليل'' رئيس مجلس القيادة الرئاسي يُبلّغ المجتمع الدولي بقرار الحرب واستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي

مجزرة التجويع في صنعاء… ثلاث سنوات والعدالة غائبة
بقلم/ فهمي الزبيري
نشر منذ: 4 أشهر و 25 يوماً
الثلاثاء 17 مارس - آذار 2026 11:10 م
 

في الثامن والعشرين من رمضان قبل ثلاث سنوات، كانت صنعاء على موعد مع واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في تاريخها الحديث، ففي مدرسة "معين" بمنطقة باب اليمن، سقط عشرات اليمنيين قتلى وجرح المئات، وهم يتدافعون للحصول على مساعدة مالية لا تتجاوز خمسة آلاف ريال يمني – أقل من عشرة دولارات.

 

ثمانية وخمسون دقيقة فقط كانت كفيلة بأن تتحول طوابير المحتاجين إلى مأساة إنسانية دامية. انتهت الليلة بمقتل ما لا يقل عن 85 شخصاً وإصابة أكثر من 322 آخرين، وفق تقارير إعلامية وشهادات شهود عيان، بعد إطلاق نار من أحد عناصر مليشيا الحوثي أعقبه انفجار محول كهربائي، ما تسبب بحالة هلع وتدافع قاتل بين آلاف المحتشدين في مكان ضيق.

 

لكن المأساة لم تنته عند تلك اللحظة الدامية؛ فحتى اليوم، ما تزال الحقيقة غائبة، والعدالة مؤجلة، وملف الجريمة محاطاً بسياج كثيف من التعتيم والغموض.

 

منذ اللحظة الأولى من الجريمة، فرضت مليشيا الحوثي طوقاً أمنياً وإعلامياً مشدداً حول الحادثة، ومنعت الصحفيين والناشطين من الوصول إلى موقع الجريمة، كما مارست ضغوطاً على أسر الضحايا والشهود لمنعهم من الحديث عن تفاصيل ما حدث.

 

ورغم إعلان الجماعة تشكيل لجنة تحقيق، إلا أن نتائج هذه اللجنة لم تعلن بشفافية، ولم يكشف للرأي العام عن المسؤولين المباشرين عن الحادثة، الأمر الذي أثار شكوكاً واسعة لدى المنظمات الحقوقية المحلية والدولية.

 

ودعت منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوقية أخرى إلى إجراء تحقيق مستقل وشفاف في الحادثة، محذرة من خطر الإفلات من العقاب في ظل سيطرة المليشيات على مؤسسات الدولة والقضاء في صنعاء.

 

غياب التحقيق الجاد في هذه الجريمة يمثل انتهاكاً لحق الضحايا في العدالة، ويعكس أيضاً واقعاً أوسع من انهيار سيادة القانون في مناطق سيطرة المليشيا.

 

كانت مجزرة مرآة صادمة لواقع الفقر والجوع الذي يعيشه ملايين اليمنيين، فبعد سنوات من نهب الإيرادات العامة وقطع رواتب مئات آلاف الموظفين الحكوميين، أصبح آلاف المواطنين مضطرين للوقوف في طوابير طويلة للحصول على صدقات محدودة.

 

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 21.6 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، فيما يعاني ملايين السكان من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

 

في المقابل، تواصل مليشيا الحوثي فرض جبايات مالية باهظة على التجار والمواطنين، والسيطرة على موارد الدولة، بما في ذلك عائدات الموانئ والضرائب وقطاع الاتصالات، إلى جانب الاستحواذ على أموال الزكاة والمساعدات الإنسانية.

 

لم تكتف المليشيا بسياسات الإفقار، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر التضييق على المبادرات الخيرية ومنع رجال الأعمال والمتبرعين من توزيع المساعدات مباشرة على المحتاجين.

 

وتعرض العديد من التجار والمؤسسات الخيرية لعمليات ابتزاز وتهديد وقيود تعسفية، في محاولة لإجبارهم على تمرير المساعدات عبر قنوات تسيطر عليها الجماعة، ما حول العمل الإنساني إلى أداة للنفوذ السياسي والاقتصادي.

 

هذه السياسات، بحسب تقارير حقوقية، أسهمت في تفاقم معاناة الفقراء، وحولت المساعدات الإنسانية إلى وسيلة للسيطرة الاجتماعية والسياسية.

 

مجزرة التدافع في صنعاء جاءت ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات والجرائم التي شهدتها مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الماضية، بما في ذلك حوادث مروعة مثل مجزرة إحراق اللاجئين الأفارقة في صنعاء عام 2021، إلى جانب حوادث القصف العشوائي والاختطافات التعسفية والتعذيب في السجون، وبيع الأدوية المغشوشة.

 

في كل مرة تتكرر القصة ذاتها حادثة مأساوية، ثم تعتيم إعلامي، ثم لجنة تحقيق غامضة، ثم صمت طويل يدفن الحقيقة، لكن ذاكرة الشعوب لا تمحى بسهولة، ودماء الضحايا لا تسقط بالتقادم.

 

إن استمرار تجاهل هذه الجريمة وعدم كشف حقيقتها يشكل انتهاكاً واضحاً لمبادئ العدالة وحقوق الإنسان، فالقانون الدولي يفرض على السلطات المسيطرة فعلياً على الأرض واجب حماية المدنيين والتحقيق في الانتهاكات الجسيمة ومحاسبة المسؤولين عنها، كما أن الإفلات من العقاب يعد أحد أبرز العوامل التي تشجع على تكرار الجرائم والانتهاكات.

 

إن تحقيق العدالة لضحايا مجزرة باب اليمن يتطلب فتح تحقيق دولي مستقل وشفاف في الحادثة، والكشف الكامل عن ملابسات الجريمة والمسؤولين عنها، وضمان تعويض الضحايا وأسرهم تعويضاً عادلاً، كما يجب وضع آليات دولية أكثر فاعلية لمساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة في اليمن.

 

لقد مات ضحايا تلك الليلة وهم يبحثون عن مبلغ زهيد لا يتجاوز ثمن وجبة طعام، لكنهم في الحقيقة كانوا ضحايا لسياسات أوسع من الإفقار والتجويع والفساد.

 

إن مأساة باب اليمن ستظل شاهداً مؤلماً على واقع اليمنيين تحت سلطة المليشيا، ودليلاً على أن الجوع قد يتحول إلى سلاح قاتل عندما تغيب الدولة وتُختطف المؤسسات.

 

ومهما طال الزمن، ستظل هذه الجريمة حاضرة في ذاكرة اليمنيين، حتى تتحقق العدالة، ويحاسَب المسؤولون عنها، ويستعيد اليمنيون حقهم في دولة تحمي كرامتهم وحقهم في الحياة.