انسحاب بلا رحيل: الإمارات ومشروع تقويض الشرعية وتهديد أمن المملكة
بقلم/ سيف الحاضري
نشر منذ: 3 أسابيع و يوم واحد و 9 ساعات
السبت 17 يناير-كانون الثاني 2026 08:05 م
 

من الخطأ الجسيم التقليل من خطورة التدخل الإماراتي في اليمن، لا سيما ما يتجلى منه في تحريك الشارع في المحافظات الجنوبية وإدارة الفوضى عبر أدوات أمنية وعسكرية وسياسية معقدة.

المعطيات على الأرض تشير بوضوح إلى أن الإمارات حسمت خيار المواجهة حتى نهاياته القصوى، وهو ما يعني عمليًا دفع اليمن نحو مزيد من عدم الاستقرار، والفوضى، والحروب الداخلية.

صحيح أن الإمارات أعلنت رسميًا خروجها من الجغرافيا اليمنية، غير أن هذا الخروج كان شكليًا؛ إذ ما تزال حاضرة بأشكال متعددة، عبر شبكة واسعة من الأدوات والكيانات التي تم بناؤها بعناية خلال السنوات الماضية.

 
  • • الأدوات الأمنية: إدارة الفوضى من خلف الستار
 

تعتمد الإمارات في اليمن على كيانات أمنية وعسكرية متعددة، ترتبط مباشرة بضباط إماراتيين، وتوزعت مهامها على مستويات مختلفة:

  • كيانات مكلّفة بإنشاء خلايا إرهابية ذات طابع فكري متشدد.
  • كيانات تُعنى بإبقاء التنظيمات الإرهابية، كـ القاعدة وداعش، في حالة كمون وتوارٍ، مع القدرة على إعادة تنشيطها عند الحاجة.
  • وحدات متخصصة في إثارة الفتن وإدارة الاغتيالات وتصفية الخصوم تحت أغطية دينية أو سياسية.

وقد نجحت الإمارات، في هذا السياق، في اختراق التيارات السلفية، بل وتجاوزت ذلك إلى إعادة هندستها وإنشاء تيارات متعددة الوظائف.

ففي مرحلة معينة، كان هاني بن بريك واجهة لهذا التيار، لكن بعد استهلاك دوره، اتجهت الإمارات إلى إنتاج تيارات بديلة، مرتبطة بمشايخ ودور علم في عدن ولحج ويافع، وفق مناهج متعددة (الحاميّة، الألبانية، أو تيارات أقرب إلى العمل السياسي).

 

الأخطر من ذلك أن الإمارات أعادت إنتاج فتاوى التكفير، وحوّلتها إلى أداة استراتيجية لإشعال الصراعات، وتبرير الاغتيالات، وبناء أدوات قتل ذات طابع عقائدي، تنفّذ مهامها بناءً على “فتوى” تشرعن الجريمة.

 
  • • الاغتيالات: تنوّع الأدوات ووحدة الهدف
 

أنشأت الإمارات منظومة اغتيالات معقدة، تتوزع على ثلاثة أطر رئيسية:

  1. إطار ديني: أدوات عقائدية تنفذ بناءً على فتاوى تكفيرية.
  2. إطار سياسي: يستهدف الخصوم عبر تصويرهم كأعداء وجوديين، خصوصًا الأحزاب السياسية.
  3. إطار مرتزقة: قتلة مأجورون، يُختارون بعناية من أصحاب السوابق والعناصر المنبوذة اجتماعيًا، ويعملون بمنطق “الوظيفة مقابل الأجر”.

هذه الكيانات لا تزال فاعلة وجاهزة، وتتلقى توجيهاتها من ضباط إماراتيين، ومن المرجح أن يتم تشغيلها في المرحلة المقبلة ضد الشرعية، والشخصيات القريبة من المملكة العربية السعودية، مع احتمالات أخطر قد تمتد إلى استهداف مصالح أو ضباط سعوديين.

  • • المشهد العسكري: خسائر مؤلمة… لكنها غير حاسمة

على الصعيد العسكري، تلقت المليشيات المدعومة من الإمارات ضربات قاسية في حضرموت والمهرة، وخسرت عتادًا كبيرًا، وتعرضت لارتباك غير مسبوق في إدارة العمليات، ما تسبب بحالة شلل جزئي لا تزال تعاني منها حتى الآن.

ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل أن الإمارات ما تزال تحتفظ بألوية مسلحة في عدن ومحيطها، وأن معسكراتها لا تزال مفتوحة وتعمل.

هذا الواقع يجب التعامل معه باعتباره خطرًا وجوديًا، لا مجرد تهديد أمني عابر.

 

كما أن الرهان على انتقال ولاء تلك الكيانات إلى الرياض بسهولة هو رهان ساذج؛ فالإمارات لن تتخلى عن أدوات أنفقت عليها مئات الملايين، بل ستمنحها هامش مناورة مرحلي، مع احتفاظها بأوراق التحكم لإعادتها إلى مربعها متى ما نضج التوقيت.

  • • المخاطر وما يجب فعله

أولًا: أهم المخاطر

  1. استمرار الإمارات في إدارة الفوضى من تحت الطاولة عبر أدوات أمنية وعقائدية.
  2. إعادة تنشيط الخلايا الإرهابية كأداة ضغط وابتزاز.
  3. استهداف الشرعية والتحالفات القريبة من السعودية سياسيًا وأمنيًا.
  4. استغلال الجنوب كساحة صراع مفتوحة لإرباك المملكة واستنزافها.

ثانيًا: ما يجب أن يتم

إن مواجهة هذا الخطر ليست مستحيلة، لكنها تتطلب مقاربة شاملة وحاسمة، خاصة من قبل المملكة العربية السعودية، بوصفها اليوم الطرف القادر على ترجيح كفة المعركة. وذلك عبر:

  1. مسار أمني–عسكري: تفكيك الكيانات المسلحة، وتجفيف مصادر تمويلها، وضرب غرف العمليات الخفية.
  2. مسار سياسي: بناء تحالفات جديدة تعيد رسم خارطة النفوذ، وتُفقد الإمارات مكاسبها المتراكمة.
  3. مسار إعلامي تصعيدي: كشف الدور التخريبي الإماراتي إقليميًا، وفضح استراتيجيتها القائمة على المؤامرة وإشعال الحروب، وهو المسار الأقدر على إرباك العقل الإماراتي.

إن الاكتفاء برسائل تحذير خجولة، أو تحميل الإمارات المسؤولية إعلاميًا دون تصعيد حقيقي، لا يرقى إلى مستوى التهديد القائم.

المعركة اليوم لم تعد معركة نفوذ عابر، بل معركة سيادة واستقرار إقليمي، وحسمها يتطلب وضوحًا، وصرامة، وعدم ترك مساحات رمادية لمشاريع التخريب.

  • • خلاصة قراءة المشهد
 

تؤكد مجمل المعطيات السياسية والأمنية والعسكرية أن الإمارات، رغم إعلانها الخروج من اليمن، ما تزال تمثل تهديدًا وجوديًا مباشرًا للشرعية اليمنية، وخطرًا حقيقيًا ومتناميًا على الأمن الوطني السعودي.

فالحضور الإماراتي لم ينتهِ بانسحاب القوات، بل أعيد إنتاجه بصيغ أكثر خطورة، تقوم على إدارة الفوضى، وتشغيل الكيانات المسلحة، وتوظيف الاغتيالات، وإعادة تدوير التطرف كأداة استراتيجية للصراع.

 

لقد بنت الإمارات شبكة نفوذ عميقة يصعب تفكيكها بالمعالجات السطحية أو بالرهان على تغيّر الولاءات، وهي شبكة مصممة للعمل في اللحظة الحرجة ضد الشرعية اليمنية أولًا، وضد أي مسار يعزز الدور السعودي أو يعيد للدولة اليمنية تماسكها.

والأخطر أن هذه الأدوات لا تُستخدم فقط لتعطيل الاستقرار في اليمن، بل تُدار بوصفها أوراق ضغط إقليمي، تجعل من الجنوب ساحة مفتوحة لابتزاز المملكة وجرّها إلى معارك استنزاف طويلة الأمد.

 

إن تجاهل هذا الواقع، أو التقليل من حجم التهديد، يمنح الإمارات الوقت والمساحة لإعادة ترتيب غرف عملياتها والعمل من خلف الستار، بينما التعامل معه باعتباره مجرد خلاف سياسي أو تنافس نفوذ هو خطأ استراتيجي جسيم.

فما يجري اليوم هو صراع على السيادة، وعلى شكل الدولة اليمنية، وعلى أمن المملكة وحدودها الجنوبية، وليس مجرد تباين في التكتيكات داخل معسكر واحد.

 

وعليه، فإن الحسم مع هذا المشروع التخريبي لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة أمنية وسيادية، تتطلب مقاربة شاملة، صارمة، وخالية من المجاملات، قبل أن تنتقل كلفة المواجهة من اليمن إلى عمق الأمن الوطني السعودي ذاته