حضرموت … رافعة القضية الوطنية وعمود الدولة الاتحادية
بقلم/ علي محمود يامن
نشر منذ: أسبوع و 5 أيام و 23 ساعة
الأحد 04 يناير-كانون الثاني 2026 05:27 م
 

 تُمثّل حضرموت، بما تملكه من رصيد تاريخي واجتماعي وثقافي متراكم، إحدى الركائز القادرة على الإسهام الفاعل في بلورة مشروع وطني يمني جامع، في سياقٍ تتّسم فيه البنية السياسية اليمنية بدرجاتٍ عالية من التشظّي والانقسام. ففي الوقت الذي جاءت فيه سيطرة الإمامة على العاصمة صنعاء نتيجة تضافر عوامل بنيوية معقّدة، من أبرزها تفكك الهوية الوطنية، واختلال الوعي السياسي، وتغليب المصالح الضيقة، فضلًا عن توظيف الصراعات الداخلية ضمن أطر إقليمية ودولية مرتبطة بمشروعات الفوضى وإعادة تشكيل المنطقة، برز النموذج الحضرمي بوصفه حالةً مغايرة في إدراكه لمعادلات القوة والاستقرار.

 

لقد استطاعت حضرموت، استنادًا إلى تراثها المدني العميق، ومرونة نسيجها الاجتماعي، ورجاحة مقاربات نخبها الفكرية والسياسية، أن تُحدّد موقعها بوعي ضمن المشروع الوطني اليمني، عبر الانحياز إلى منطق الدولة، والأمن القومي العربي، والتكامل الاستراتيجي مع محيطها الإقليمي، وفي مقدمته المملكة العربية السعودية، بوصف هذا الخيار مدخلًا واقعيًا لتحقيق الاستقرار السياسي والتنمية المستدامة.

 

ويتمثّل الدور الحضرمي في إطار مشروع الدولة اليمنية الاتحادية في إعادة الاعتبار لمبدأ الشراكة الوطنية، من خلال تمكين مختلف المكوّنات السياسية والاجتماعية الفاعلة في المحافظات الجنوبية والشرقية، ونزع احتكار التمثيل السياسي الذي فُرض في مراحل سابقة بفعل منطق الغلبة المسلحة، على حساب التمثيل الحقيقي للقوى المجتمعية الحيّة ذات الامتداد الشعبي والتاريخي.

 

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الفعل الحضرمي بوصفه مساهمة بنيوية في إعادة تشكيل منظومة التحالفات الإقليمية لليمن، على نحوٍ يراعي المصالح الوطنية العليا، ويُسهم في ترسيخ الاستقرار الإقليمي، ضمن سياق أوسع للمشروع العربي والإسلامي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، والقائم على مفاهيم السيادة، والدولة الوطنية، والتكامل الإقليمي.

 

وقد حافظت الرياض على حضورها ونفوذها الاستراتيجي في اليمن، وسعت إلى مواجهة الاستنزاف والضغوط التي تعرّضت لها، من خلال استعادة زمام المبادرة في المحافظات الجنوبية والشرقية، بما يجنّب اليمن والسعودية الانزلاق إلى مواجهة طويلة الأمد تتجاوز حدود العمليات المحدودة، وتُرتّب كُلفًا سياسية وأمنية باهظة.

 

وانسجامًا مع ما راكمته السلطة اليمنية والنخب المحلية من خطاب حول ما يُعرف بـ«القضية الجنوبية» بوصفها واقعًا سياسيًا لا يمكن القفز عليه، بغضّ النظر عن طبيعة هذه القضية أو وزنها الفعلي في موازين الصراع، يتّجه النقاش نحو البحث عن حلول لها ضمن إطار تمثيل وطني واسع، يستند إلى المرجعيات الوطنية، ويُدرجها ضمن المعادلة اليمنية الشاملة.

 

وعلى هذا الأساس، يبدو الموقف السعودي أقرب إلى محاولة احتواء هذه القضية وإدارتها، لا إلى تبنّيها أو الانحياز الكامل لأيٍّ من أطرافها. وفي هذا الإطار، يُفهم سعي الرياض إلى نزع احتكار المجلس الانتقالي الجنوبي لتمثيل «القضية الجنوبية»، انطلاقًا من قناعة مفادها أن تفكيك هذا الاحتكار لا يتم عبر إنكار القضية أو تجاهلها، بل من خلال الاعتراف بها، مع سحبها من يد من ادّعى الوكالة الحصرية عنها.

 

وبعد تحقيق هذا «التجريد من التمثيل»، يُرجَّح أن تعمل السعودية على إعادة إدراج القضية الجنوبية ضمن المجال اليمني الداخلي، بوصفها شأنًا يمنيًا بالدرجة الأولى، بما يسمح لها بالتخفف من عبء إدارتها المباشرة، ويفتح المجال أمام معالجات سياسية أكثر استدامة.

 

وبناءً على ذلك، لا يبدو أن خيار الانفصال، حتى بصيغه التدريجية، يُشكّل مسارًا استراتيجيًا مفضّلًا أو معتمدًا في الرؤية السعودية، بقدر ما يمثّل إدارةً تكتيكيةً لواقعٍ مفروض بحكم الوقائع الميدانية، ضمن مقاربة تهدف إلى تقليص الكلفة وتعظيم هامش المناورة السياسية، والعودة في المحصلة إلى خيار الدولة الاتحادية، كما أقرّها مؤتمر الحوار الوطني الشامل.

 

وحيث تشكل محافظات الإقليم الشرقي لليمن، (حضرموت، المهرة، شبوة، وسقطرى)  وحدة جغرافية متجذرة في أعماق التاريخ، تحمل نقوشًا حضارية محفوظة في ذاكرة الزمان، والمكان والإنسان، وتدل على عراقة الاستيطان وعمق الحضور اليمني في مسيرة الحضارة البشرية عبر العصور دليل على ثبات الهوية الثقافية والتاريخية، وعلى قوة روابط الإنسان بعمق الارض وقدسية المكان .

 

لقد أسهم الاتصال الجغرافي والتقارب الجيوسياسي بين هذه المحافظات في بلورة علاقات اجتماعية واقتصادية وأمنية متشابكة، وعزز تنامي مصالح مشتركة وهواجس متقاربة تجاه المحيط الإقليمي والعابر للبحار. وتشير الوقائع التاريخية إلى أن هذه الأصقاع كانت جزءًا من امتداد الدول والممالك اليمنية القديمة، كما كانت هدفًا لأطماع القوى الاستعمارية عبر العصور، لما تزخر به من موارد استراتيجية، بدءًا من البخور واللبان في العصور القديمة، وصولًا إلى المعادن والثروات البحرية في العصر الحديث، فضلًا عن موقعها المحوري على طرق التجارة الدولية.

 

تمثل الهوية العربية اليمنية الإطار الجامع لأبناء هذه المحافظات، دون أن يمس ذلك خصوصية كل مجتمع محلي وثقافي. فالمهرة وسقطرى حافظتا على لغاتهما الخاصة، بينما احتفظت حضرموت وشبوة بلهجاتها وتقاليدها المتنوعة، بل إن التمايزات الدقيقة داخل كل محافظة تكشف عن ثروة ثقافية نابعة من التفاعل التاريخي بين المجتمعات المتجاورة. هذا التنوع ليس عامل تشرذم، بل مصدر قوة يعززه التثاقف الطبيعي والتواصل المعاصر، دون أن يضعف الانتماء الوطني الجامع.

 

وتنبع الدعوة إلى تكامل محافظات الشرق ضمن إقليم اتحادي في الجمهورية اليمنية من وعي عميق بالروابط التاريخية والجغرافية والمصالح المشتركة، لا من نزعة إقصائية أو رغبة في الهيمنة. فالمشروع لا يهدف إلى طمس الهويات المحلية أو السيطرة على الموارد، بل يسعى إلى تنظيم الشراكة بين المحافظات الأربع وجعلها رافدًا فاعلًا داخل الدولة الاتحادية، بما يخفف المخاوف المشروعة ويعزز المشاركة الوطنية العادلة.

 

ويمتلك الإقليم الشرقي ثروة طبيعية متوازنة ومتنوعة تفوق احتياجات أي محافظة منفردة، ما يتيح بناء نموذج اتحادي داخلي قائم على العدالة والتكافؤ، قادر على الإسهام بفاعلية ضمن المنظومة الوطنية الاتحادية الأوسع. ويشهد التاريخ المعاصر على أن أبناء هذه المحافظات كانوا في طليعة الداعين إلى الدولة الاتحادية، مقدمين نموذجًا للتوافق الوطني عبر إقليم يضم محافظاتهم الأربع، وهو ما أكدت عليه مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل 2013 وحظي بقبول محلي ودعم إقليمي ودولي.

 

ورغم تعثر المشروع الوطني نتيجة الانقلاب والحرب، يظل الإقليم الشرقي متمسكًا بالحل الاتحادي كمدخل لتحقيق السلام العادل والدائم، منطلقًا من قناعة راسخة بأن القوة العسكرية لا تصنع العدالة، وأن السلام لا يُحفظ إلا بإرادة شعبية حرة. ويشكل الإقليم ثقلًا جغرافيًا وسياسيًا واقتصاديًا بالغ الأهمية، إذ يمتد على مساحة واسعة من اليمن، ويملك مقومات تؤهله ليكون نداً حقيقيًا لمراكز النفوذ التقليدية في صنعاء وعدن، غير أن التهميش التاريخي حال دون حصوله على موقعه الطبيعي في معادلة الدولة.

 

ومن هذا المنطلق، فإن التمسك بحقوق الإقليم ضمن إطار اتحادي ليس تعبيرًا عن نزعة انفصالية، بل سعيًا لشراكة وطنية متكافئة تعيد التوازن إلى الدولة وتضع حدًا للمركزيات المختلة. ويجدر التوضيح أن الانتماء إلى الدولة السابقة التي حكمت جنوب اليمن قبل عام 1990 كان انتماء سياسيًا للنظام الحاكم وليس تعبيرًا عن هوية جهوية مستقلة، إذ ظلت الهوية اليمنية جامعة ولم تُطرح هوية “جنوبية” مغايرة. وعليه، فإن توصيف أبناء حضرموت والمهرة وشبوة وسقطرى كـ”شرقيين في اليمن” أدق جغرافيًا وسياسيًا من توصيفهم بـ”جنوبيين”، دون أن يقلل ذلك من مساهمتهم التاريخية في النضال الوطني أو اعتزازهم بتجارب الدولة السابقة وإنجازاتها.

 

إن مشروع المحافظات الشرقية، إذًا، يقوم على وعي تاريخي وجغرافي وسياسي راسخ، يرفض تزوير التاريخ أو عسف الجغرافيا، ويتمسك بالهوية اليمنية الجامعة مع احترام التنوع الثقافي المحلي. وهو مشروع سياسي قائم على وثيقة وطنية توافقية، لا على قوة الأمر الواقع، ويقدم نفسه كرافعة لإنقاذ الدولة اليمنية من خلال نموذج اتحادي عادل يحقق الشراكة، يحفظ الهوية، ويؤسس لسلام مستدام ومستقبل أكثر عدلاً واستقرارًا