مذكرات أستاذ جامعي في بلاد الخليج.. الجزء الثالث
بقلم/ د. محمد معافى المهدلي
نشر منذ: سنة و شهر و 21 يوماً
الجمعة 28 إبريل-نيسان 2023 07:19 م

في الحلقة الماضية من هذه السلسلة المباركة تحدثتُ عن الطائفية في الخليج وكيف تمكن الخليجيون بتعاونهم وأموالهم وجهودهم وحكمتهم وسياساتهم الاجتماعية تجاوز هذه الفتنة النائمة، إلى حدٍ جيّد ومقبول، على الأقل وسط الخليج، لا ما حوله، إلا أنني أؤكد في مفتتح هذه الحلقة أنّ الطائفية في عمق الخليج يمكن أن تنبعث من وهدتها في أي لحظةٍ، مجددًا، وتسير في ركب التدمير والتخريب، على غرار البلدان المجاورة، وهو ما لا يحتمله الوضع الخليجي، على الإطلاق، ويلزم لذلك إعداد الاحترازات الأمنية اللازمة للتصدي للأخطار الداخلية والخارجية، وهو ما حَرَصت عليه بعض دول الخليج، كاستيرادٍ لا كتصدير، وكاستهلاك لا كإنتاج .

في هذه الحلقة نواصل الحديث عن رحلة نسائم الخليج، وسأخصّص الحلقة الرابعة القادمة إن شاء الله والأخيرة من هذه السلسلة للنتائج والتوصيات، وبعض الايضاحات بحسب الوسع والتيسير، وما يجود به المكان والزمان. نزلتُ الدوحة بتاريخ 26/1/2023م، كانت الأجواء شتويةً وربيعيةً، رائعةً وساحرةً، مع زخات المطر، وهبّات نسائم الخليج التي تأسر روحك وقلبك بلا استئذان، هناك تأسرك شوارع الدوحة بهندستها وأضوائها وإشاراتها وأنظمتها، وجسورها المعلقة في الفضاء، وأنفاقها وسككها الحديدية، التي تشق الشوارع والمدن الجامعية، وتأسرك هندسة جامعتها وحدائقها وأبراجها وأسواقها ومساجدها ومطاعمها وفنادقها ومزارعها، وإنسانها الراقي جدًا، وهواءها العليل، وأشجارها المرسومة على جنبات الطريق، رغم الصحراء القاحلة، التي لا تخلو حتى من بعض أشجار الفُلْ، مما يجعل القلب والروح والنفس تطرب أيما طرب وتفرح أيما فرح، سيما مع رياح وهبّات النسيم القادم من عباب الخليج، مع رائحة الشجر والمطر والتربة الطاهرة، تذكرني بأجواء سواحل مدينة الحديدة أيام الطفولة وأيام الزمان الجميل، في ثمانينيات القرن الماضي.

كنتُ أجدُ مساحةً كبيرةً بجوار مزرعةٍ ذات أشجارٍ كثيفة مقابل مقر النادي العلمي القطري، حيث يوجد على جنبات الطريق ممشىً رائعًا، وممشىً آخر للدراجات الهوائية، وثالثًا لوقوف السيارات، وبينها عددٌ من خطوط الطريق السريع، فكنتُ أرتاد هذا الطريق كل ليلةٍ لممارسة الرياضة، وأحيانًا بعد منتصف الليل أو آخِرَ الليل، فحركة الشوارع لا تتوقف، والهدوء والطمأنينة تشجعك على المشي والفسحة، في أي وقت، كل شيء في البلد يسير إلكترونيًا ولا ترى عيناك سيارات الأمن ولا الشرطة إلا نادرًا ونادرًا جدًا، إذا كان ثمة وفود رسمية، أو حوادثَ سير. زرنا سوق "واقف" الأثري، واستمتعنا بما فيه من آثار قديمة وتحفٍ ثمينة، ومحلاتٍ تجارية لا تَعرفُ النوم، وزحامٌ عجيب في السوق من كلّ الأجناس والطوائف والشعوب، ولا يخلو السوق من محلات يمانية خالصة مشتهرةً، للعسل والآثار والحضارة، وخاصة حضارة مأرب وحضرموت.

أثناء إقامتي في الدوحة انتابتني وعكةٌ صحيةٌ خفيفةٌ، مفاجئةٌ، لاختلاف نظام التغذية، فتوجهت إلى المستشفى، وعلمتُ أنه كان يكفي أنْ أهاتف سيارة الإسعاف وهي تأتي إليّ في غضون عشر دقائق، حيثما كنت، ظننتُ الأمر كما في اليمن مستعبد جدًا أن تأتي إليك أو إلى منزلك سيارة الإسعاف، وإن جاءت فلا تأتي إلا وقد قضى المريض نحبه أو كاد، لذا رحتُ بنفسي للمستشفى، وأيضًا اعتدنا في اليمن أن يقف المريض على باب المستشفى ولو كان على فراش الموت نتيجةَ الزحام الشديد، دون أن يلتفت إليه أحد، بل بعض المرضى بالكلى أو المسالك ربما تبوّل على ملابسه أو نام أو سقط مغشيًا عليه في ردهات المستشفى، دون أن تتحرك شعرةٌ في صلعةِ مسؤول، صغير أو كبير في البلد، فالمسؤول اليمني في صنعاء أو عدن، عقله وقلبه وثقافته أكثر قذارةً ونجاسةً وتخلفًا من شارع هائل أو مستشفى الثورة العام أو المستشفى الجمهوري التعليمي أو أي شارع من شوارع صنعاء أو عدن البائسة، وأزعم أنه لو كان بين يدي المسؤول اليمني جبالٌ من ذهب لسارع لبيعها، أو رهْنها أو تأجيرها لمائة عام أو مائتين، كما هو الحاصل في هذه الحقبة من تاريخ اليمن البائس من تسلط وتسيّد شرار الخلق على البلاد شمالًا وجنوبًا، على نحو ما يفعله حميرتي بالسودان، وتلاميذ القذافي في ليبيا.

دخلتُ المستشفى وأجريتُ بعض الفحوص الطبية، مساءًا، كان كل شيء يجري إلكترونيًا، ولا حاجة لأن تعرّج أو تطوف على المختبرات، بل كل شيء بين يديك، ولا حاجة كذلك للورق، فالحواسيب مثبتةٌ في كل مكان، وبعضها متحرك على طاولات طبية، وما هي إلا دقائق ويتم استكمال كامل الفحوص الطبية اللازمة، وتُنقل المعلومات والنتائج على الشبكة الإلكترونية ويتداولها الأطباء المختصون عبر شبكاتهم، دون ورق أو مراجعات أو تنقلات أو أموال باهضة، أو سمسرة أو واسطات. في المستشفى أيها الحليم تُذهلك الخدمات الطبية المتوفرة، وتذهلك الأجناس والأديان التي ترتاد المستشفى، بلا تفرقة أو تمييز، ولوجود بعض الالتهابات والأعراض لديّ قرر الطبيب أنْ أبقى لبضعة أيام في مستشفى "الحزم"، أخذني مساعدو الأطباء إلى غرفة الرقود، وأصروا أن أسير على كرسي متحرك، مع عدم حاجتي إليه، وحين دخولي غرفة العمليات، أصرّ المسعفون أن يحملوني كذلك على كرسي متحرك، فرفضت جدًا لأنني أسير ماشيًا وبكل أريحية، بل قلتُ لهم من الممكن أن ألعب وإياكم جمباز، فضلا أن أمشي راجلًا، بيد أنهم قالوا لا يمكن إلا أن نتقيد ببرتوكولات المستشفى، وكان المسعفون مصريون أصحاب فكاهة، فرفضوا إلا التقيد بالبرتوكول الطبي وأن أسير إلى غرفة العمليات عبر كرسي متحرك، وسمعتُ أحدهم يقول لصاحبه إربطه جيدًا حتى لا يهرب.!!!!.

في غرفة العمليات تدهشك هي الأخرى بأجهزتها الكبيرة والضخمة والكثيرة، ويوجد في غرفة العمليات شاشةٌ كبيرة ضخمة، حيث تجرى بعض العمليات اللازمة عبر الليزر، والمريض يشاهد بعينية عبر هذه الشاشة ما يجري بداخله من أعمال جراحية فنيّة، ومن الطريف كان الطبيب في غرفة العمليات وفريقة، هو نفسه الذي كان يزورني إلى غرفة الرقود، ومعه مترجمةٌ حسناء، فحملقتُ في وجه الطبيب، أهو هو، وكان يغطي وجهه عني ويضحك حتى لا أتعرف عليه، وفي غضون عشر دقائق بالضبط، كنتُ أنهيتُ تلاوة سورة السجدة، وتم الانتهاء من إجراء العملية، وخرجتُ مباشرةً من العملية ضاحكًا مسرورًا، بحمد الله، واستقبلني الممرضات بالتهنئة والترحاب وأكواب الشاي الحليب.

وتم بفضل الله إجراء عملية "توظيب" شاملة طيبة مباركة لكثير من أجزاء جسمي، ولله الحمد والمنّة، وربّ ضارة نافعة، وتم إرسال رسالة بمراجعة المستشفى يناير عام ٢٠٢٤م. أثناء رقودنا في المستشفى الأشبه بفسحة ونزهة وفندقة، كان بجواري شخص له عمامةٌ حمراء كبيرة جدًا وطوال المدة التي قضيناها في المستشفى حوالي ثلاثة أيام، والرجل لا ينزع عمامته ولا ينفك عنها ولا تنفك عنه، حتى لو دخل دورة المياه.!!. هممت أنْ أعرض على الرجل مبلغًا من المال مقابل نزع عمامته لبعض الوقت، للتهوية، لكنني استيقنت أنه لا يمكن أن يفعل، ولو بملأ الأرض ذهبًا، ربما لأسباب عقدية لديه أو ثقافية، وأيًا ما تكن الأسباب فهي أسباب محل احترام وتقدير لدى كل كوادر المستشفى، أيًا ما تكن!.

في الدوحة دعيتُ لأكثرَ من فعالية رائعة منها : 1. في يومٍ بهيجٍ بتاريخ الخميس: ٩/٨/١٤٤٤هـ، الموافق: ٢/٣/٢٠٢٣م، شرفتُ بحضور احتفالية جائزة الشيخ/ فيصل بن قاسم آل ثاني للبحث التربوي على مستوى الوطن العربي في مبنى كلية التربية، جامعة قطر، وقد تمّ في الاحتفالية تكريم نخبة من علماء الفكر والتربية، بجوائز قيّمة، لأبحاثهم التربوية المتميزة، النسخة السابعة، ٢٠٢١- ٢٠٢٢م، ومن ضمن البحّاثة الفائزين في المسابقة، العالم اليمني البروفيسور/ محمد علي محسن العسكري، أستاذ اللسانيات التطبيقية، بجامعة نجران، حضر الاحتفالية عمداء كليات التربية في الكويت والسعودية وعُمان، ولفيفٌ من أساتذة الجامعات والأدباء والمفكرين والمبدعين في دول مجلس التعاون الخليجي والعالم العربي.

وفي الاحتفالية وأثناء الاستراحة شرفتُ أنا والزميل العزيز البروفيسور / محمد العسكري، بالحديث إلى سعادة الدكتورة الشيخة/ حصة بنت حمد آل ثاني، عميدة كلية التربية بجامعة قطر، وفقها الله، وأثناء حديثنا معها بادرتنا بالثناء العاطر على اليمن حضارةً وشعبًا وتراثًا وتاريخًا، في تواضع جم، ووقار لا يوصف. 2. في أحد المجالس الرمضانية التي دعيتُ لها، قابلتُ الداعية الإسلامي الأميركي الشهير يوسف أستيس، ولا يكاد يتكلم كلمة عربية إلا بصعوبة بالغة، على غرار لغة "أنت حمار يركب". ومع شيخوخته الظاهرة، إلا أنّ الرجل كأنه في سن الشباب، حفظه الله ورعاه، بهمّته ودعوته وحركته وحضور فكره وعقله، ويكاد يمثل جبهةً إسلاميةً في القارة الأمريكية لوحده، وأثناء اللقاء تقدمنا شابٌ بزيّه الأفريقي، لصلاة المغرب، فقطّع نياط قلوبنا بحسن تلاوته وفصاحته.

وبالمناسبة غالب المجالس في قطر تعكس التنوع الثقافي والديني والفكري، فتجد المجلس الواحد فيه من قارات الدنيا السبع، وتجد اللغات المختلفة، بل والأديان المختلفة، وهذا ليس نادرًا بل تجد ذلك في كل مكان، بلا استثناء، حتى في السوق الواحد بل المتجر الواحد، تجد الديانات كلها تقريبًا، كلها تتعايش وتتآلف، والجميع يعمل تحت سقف واحد، ولا تكاد تفرق بين العاملين إلا بصعوبة بالغة، من خلال بعض المظاهر والشكليات. دخلنا على سبيل المثال مرارًا أحد المطاعم اليمنية الشهيرة في الدوحة وفيه عمّال مسلمون وبوذيون ومسيحيون وعرب وأعاجم، وهكذا كل السوق كذلك وكل البلد، مما يؤكد لك ولنا ولهم ولهن أنّ التعايش بين الأديان المختلفة ممكن جدًا، كما قال تعالى : (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا..) الحجرات.

ولولا النزاعات السياسية التي تصنعها الأنظمة الحاكمة لعاشت البشرية في أمن وسلام، على نحو ما رأيتُه في مدينة السلام والمحبة الدوحة. 3. حضرتُ بعد الفجر مجلسًا صغيرًا ودرسًا مباركًا للعلامة الشنقيطي الشهير، محمد بن الحسن الددوا، في تفسير الآيات الخمس الأواخر من سورة الأحزاب، وكان كأنما يَغرف من بحر، وانتهى الدرس وقام الشيخ للانصراف، ووُجّهتْ له بعض الأسئلة فكان يجيب على السؤال، وهو قائم للانصراف، وكان قيامه قريبًا من جلوسه للمحاضرة، وحدثنا فضيلته عن القبائل اليمانية والعربية في منظومة شعرية طويلة رائعة وعجيبة، وحظيتُ بالسلام عليه، وأصل هذا المجلس الصباحي هو للعلامة اليماني أ.د/ عبد السلام مقبل المجيدي، ولكنه اعتذر هذا اليوم عن الدرس فحضر الشيخ الددوا.

بقي قبل الختام أن أشير إلى أنّ المذهب السائد في دولة قطر هو المذهب الحنبلي، وبقية المذاهب الخمسة حاضرة، إلا أنك تلمس الوسطية والاعتدال الذي يميز الجميع، ومن ذلك الوسطية والاعتدال في معاملة المرأة، فالمرأة حاضرة في معظم مجالات العمل في الدولة، وتجدها تقود سيارتها بنفسها، بلا ضيرٍ ولا حرج، وغالبًا ما تكون السيارة من النوع الفاره جدًا، وهنا نتذكر فتاوى الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، في حظر قيادة المرأة للسيارة، لاحتمال أن تتعطل بالمرأة سيارتها!. ولذا كانت الفتيا آنذاك يجوز للمرأة استقدام سائق لمشاويرها وأعمالها الخاصة، ولا يجوز لها قيادة السيارة!!!.

وهاهو الزمن يأتي بالعجب وتتغير الأحوال، وتجودُ علينا الحضارة الغربية بسيارات لا تكاد تتعطل ولو بعد عشرين عامًا، وصارت كثير من فتاوى المشايخ المتعلقة بالمرأة عبارة عن "أوهام" ردمها وتجاوزها الزمن ومتغيرات العصر، وإن كنا نحتمل المعاذير لفتاوى المشايخ ذلك الحين، فقد أدت دورها في تلك الحقبة وتلك الظروف، إلا أنه للأسف أنّ بعض الفتاوى أحيانًا لا تعمل وفق الدليل والمصلحة الشرعية بقدر ما تتأثر بالمواقف الرسمية والشعبية والعرفية، وتكون هذه المؤثرات الخارجية غالبًا هي الأصل بدلاً من الدليل الشرعي.!.

ختامًا لن أتحدث عن النهضة العمرانية ولا الامبراطورية الاعلامية والاقتصادية، ولا المواقف الدولية المشرّفة والمشْرقة لدولة قطر، لعدم تخصصي في هذه الفنون، فلهذه الميادين فرسانها وعمالقتها، ولكن سأتحدث في الحلقة الرابعة والأخيرة عن رسالة المساجد وأدوارها الروحية في النهضة والتطور، لتعميم التجربة والإفادة منها لدى وزارات الأوقاف في بلدان العالم الإسلامي، ثم أختم بالنتائج والتوصيات، بقدر الوسع والحاجة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.