العبرة بخواتيمها يا ولدي
بقلم/ د . عبد الوهاب الروحاني
نشر منذ: 3 أشهر و 15 يوماً
السبت 14 أغسطس-آب 2021 07:00 م
 

 ‏ في صباح أحد ايام الصيف وبالتحديد في اغسطس من العام 1986 بعد عام على تخرجي من كلية الصحافة ..كنت على موعد مع فعالية رسمية وشعبية، حيث تتزاحم السيارات والحراسات المشددة على المداخل والبوابات، وانتظار موكب الرئيس.

الكلية الحربية تعج بالمشاركين، مكرفتين ومقبعين، عسكر وطلاب.. قيادات الدولة والمجتمع يتوافدون إلى الساحة ببطائق الانتساب والمشاركة..

عند بوابة القاعة الكبرى التقيت بصاحبي، كان زميلا لي في الصفوف الاولى بمدرسة الايتام الابتدائية بصنعاء، اصبح فجأة قائدا مهما ومن الوزن الثقيل. تبادلت معه التحية وبعضا من ذكريات زمن المدرسة، شفت "الكدم" وعصا السواري، وحليب اليونسيف، وسحاوق ام محمد التركي، وبينما كان يبدو غير مهتم بالنبش في معاناة وجوع الماضي، انهال علي باسئلة من نوع:

اين بطاقة المشاركة؟!

واين درست، وما درست ؟!

وايحين تخرجت ؟!

وماذا تعمل؟! وليش أنت هانا ؟!

ويش ناوي ؟!

ومع من درست ..الخ. كنت ارد على تساؤلاته بهدوء وتؤدة، وعندما اشعرتني بعض الأسئلة أنني أمام المحقق (كونان) لغوشو أوياما، ذكرته أيضا "الذرع" (الضرب) الذي كان يشل الأيدي في صباح صنعاء البارد من عصاتي الاستاذين (زبارة، والمحني) -رحمهما الله - وكانا شديدي القسوة على (الأغبياء) في مسائل الحساب وجدول الضرب عند الاول والنحو والصرف عند الثاني. القرابة وقوة العادة: كان صاحبي القائد منتشيا بموقعه ومزهوا ببدلته وطيوره ودبوراته المعلقة على كتفيه،

ونياشينه المتزاحمة في صدره .. الرجل هو من الدائرة الاقرب ، وبالتاكيد لم يكن معنيا بحماية الفعالية والمكان، لكنها القرابة وقوة العادة تحشر أنفها. بينما كان الرئيس (رحمه الله) يدير الجلسة وأكثر من ألف من المشاركين على مقاعدهم .. كنت انا جالسا على كرسي في احد الصفوف القريبة من المنصة .

. فجأة داهمني للتفتيش اربعة من حراسة زميلي (القديم) القائد الذي أصبح ذا سلطة وسطوة .. اثنان يقفان من الخلف.. أحدهما يهمس في أذني وأنا على مقعدي ويقول "لا تتحرك" بعد ان حاولت النهوض وقال آخر: اسمع الكلام..!! ولم يكن لي الا أن اسمع..

وبسرعة مربكة هجم الاخران من الأمام يفتشان في جوانبي .. يتحسسان حزام بنطلوني ويتفحصان قدمي.. اصبت بدهشة كبيرة .. و تساءلت عن مالذي يجري !! .. ولم كل هذا ؟! أنا نحيف وأزن 57 كيلو جراما .

. ألبس قميص نصف كم وبنطلونا ليس به جيوب ولا احزمة ناسفة .. كان بحوزتي قلم ومسجل وبضعة اوراق ملفوفة بيدي.. كان في الموقف همجية .. اثارني كما اثار دهشة المقاعد المجاورة .. ولاني كنت خفيفا وسريع الحركة كان بالامكان طلبي للتحرك إلى الخلف باشارة من احدهم دون ازعاج وجلبة. الانفعال الذي ابداه "القائد" (بالتأكيد) لم يكن بالاشتباه، فقد كان يعرف انني -على الاقل- احمل بطاقة مندوب الثورة (الصحيفة)، لكن السبب (ربما) كان حديثي البرئ، واستعادة ذكريات الغباء الذي كان في مدرستنا الأولى، ثم شعور الرجل بجرح لكبريائه وموقعه. السلال ..

طراز مختلف: بمقابل هذا الموقف "الغريب" مع زميلي الذي ارتقى مرتقا صعبا وفي نفس اليوم وذات المناسبة التقيت مع قائد آخر ولكن من نوع وطراز مختلف، حارب وقاتل من أجل الثورة والجمهورية، ثم غادر السلطة ليبقى الوطن، ويبقى هو مواطنا عاديا.

. ذلك كان اول رئيس للجمهورية بعد الثورة المشير عبد الله السلال (رحمة الله تغشاه)، تقدمت اليه وهو يسير في الساحة خارج القاعة، عرفته بنفسي وبمهمتي، فرحب وبدأ يتحدث معي ببساطة، ولطف، وتلقائية وكانه يعرفني من زمن بعيد، وقال "نحمد الله ان الثورة خرجتنا لاطريق"

. قلت كيف؟! قال: كان المدرب والمهندس، والطبيب، والمعلم، والخبير في هذه الكلية وفي كل مؤسسات الدولة روسي أو مصري أو عراقي او صيني، واليوم ابسر كلهم من حقنا، يمنيين قح، (وكان يشير الى مجموعة من الشباب بأزياء وبدلات عسكرية مختلفة) .. هذا ماكنش سهل بالخالص..!! قلت كنتم ولا تزالون انتم الرواد، قال قد تغير الوضع والبركة في الشباب..

قلت ويش رأيك في اجتماعات المؤتمر؟!، قال "العبرة بخواتيمها يا ولدي" . وكتبت خبرا رسميا للصفحة الأولى عن مشاركة الرئيس السلال .. وعند عودتي للصحيفة سلمته للاستاذ الزرقة لاجازته .. فقرأه ونظر الي مستغربا، ثم الى رؤوفه حسن التي كانت تحدثه في امر ما وقال: - اقري يا رؤوفه !! وقرأت رؤوفه الخبر ثم اعادته اليه مبتسمة دون تعليق ، فقال موجها كلامه الي: -

هذا كان رئيس يا عبد الوهاب !! - قلت: واهمية التصريح انه كان رئيس دولة يا استاذ محمد. - قال مقهقها .. انت متأكد ننشره .. خلاص ينشر ..!! ونشر في الصفحة الاولى رغم المحاذير التي كان يعرفها، وكنت انا ادركها.. فهو رئيس سابق في بلد كاليمن ، وتصريحه كان ينطوي على تلميح ذي معنى .. ومن عام لعام، ومن اغسطس الى اغسطس آخر تتجدد المناسبات وتتغير الشخوص والاحداث و"العبرة بخواتيمها".