غزة تكتب التاريخ بلغةٍ لا يجيدها الجبناء
بقلم/ د. محمد مفتاح
نشر منذ: 17 ساعة و 11 دقيقة
السبت 05 إبريل-نيسان 2025 07:55 م
 

غزة، هذه البقعة الصغيرة من الأرض، تقف اليوم وحدها في وجه أعتى آلات القتل وأقسى وجوه الطغيان، تواجه جحافل الموت التي تنهال عليها من السماء والأرض والبحر، تقف عارية إلا من الكرامة، محاصرة إلا من العزة، مجروحة إلا أن جراحها تصرخ في وجه الكون بأسره، وتقول: هنا يولد التاريخ الحقيقي، لا كما يكتبه المنتصرون الكاذبون، بل كما يسطره الدم الطاهر حين يُراق دفاعًا عن الحق، ويُسكب قربانًا للحرية، فغزة لا تسرد الحكاية كما يفعل المؤرخون، بل تنحتها على صخور صمودها بصبرٍ يعجز عنه الزمن، وتصرخ بها في وجه العالم بلغةٍ لا يجيدها الجبناء، لغة لا تُترجم إلى قرارات دولية ولا تُفكك إلى بيانات إدانة شكلية، بل تُفهم فقط بمن تذوق طعم الشهادة وعاش ملح الخذلان، في غزة لا يُقاس الزمن بالساعات بل بعدد الغارات، ولا يُحصى العمر بالأيام بل بعدد الشهداء، ولا تُقاس الإنسانية بالكلام بل بحجم الجريمة وصمت المتفرجين عليها، فهنا، في غزة، تُقترف الجرائم بأبشع صورها، جرائم يعجز عن تخيلها العقل البشري، يفوق وحشيتها ما سطره التاريخ عن النازية ومحاكم التفتيش، بل تتجاوزها إلى ما لا يبلغه خيال الروائيين، إذ لم تشهد البشرية في عصرها الحديث أن يُحرق طفل وهو نائم في حضن أمه ثم يُبرر القاتل جريمته بالحق في الدفاع عن النفس، ولم يسجل التاريخ أن يُقتل آلاف المدنيين في ساعات معدودة تحت غطاء صمت عالمي يدّعي الحضارة والحرص على حقوق الإنسان، ولم يُعرف من قبل أن تُبيد دولة شعبًا كاملاً على مرأى ومسمع من شعوب الأرض في ظل إعلام يلمع الجريمة ويشوّه الضحية، فالغرب الذي بنى أسس ما يسمى بالعدالة والحرية وحقوق الإنسان، يتجرد اليوم من كل معاني الإنسانية، ويظهر على حقيقته الفجة كراعٍ رسميٍ للدمار، يتواطأ بالصمت، يشارك بالسلاح، يبرر بالإعلام، ويمنح المجرم حصانة أخلاقية وقانونية، حتى باتت حقوق الإنسان شعارات تُرفع فقط على مقاس المصالح، فإن كنت أبيض البشرة، غربي الوجهة، فإن دمك ثمين، وإن كنت فلسطينيًا، عربيًا، مقاومًا، فإن دمك مستباح، وإن نساؤك رخيصات في أعينهم، وإن أطفالك لا حق لهم بالحياة، وإن البيوت التي تسكنها لا تستحق البقاء، وإن أشجار الزيتون لا يجب أن تبقى، لأنهم قرروا أن وجودك بحد ذاته جريمة، ورفضك الاحتلال تهمة، وصمودك إرهاب، أما العرب، فما أقسى خذلانهم، وما أوجع صمتهم، صمت لا ينبع من العجز بل من التواطؤ، صمت بلغ حد الخيانة، فلا مواقف، ولا بيانات، ولا حتى تمتمات خجولة، أنظمة تسابقت إلى التطبيع وتباهت بعلاقاتها مع القاتل، ثم تلبس ثوب الحياد حين يُقتل إخوتها، وقد ضيّعوا حتى لغة التضامن، فاستبدلوها بلغة المصالح، وأسكتوا ضمائرهم بدبلوماسية الخنوع، ونامت نخوتهم تحت عباءة الأوهام، ولم يعودوا يعرفون أن الشرف لا يُشترى، وأن الكرامة لا تُباع، وأن الأرض لا تُفرط فيها الأمم الحية، فغزة لا تنتظر منهم شيئًا، لأن من لا يملك حريته لا يستطيع أن يمنح النصرة، ومن اعتاد الذل لا يعرف كيف يُناصر المقاومة، ومن باع القدس بالأمس، لن يفتدي غزة اليوم، فغزة باقية، تقف وحدها، تُقاتل وحدها، تُدفن شهداءها بيديها، وتكتب وصاياها على جدران بيوتها المهدمة، وتقول للعالم: أنتم مجرد شهود زور على مجزرة القرن، أنتم صناع الكارثة ومهندسو القتل، أما نحن، ففي عروقنا ما يكفي لنحيا ونقاوم، وفي دمائنا ما يكفي لنكتب التاريخ من جديد، لا بلغة المتخاذلين، بل بلغةٍ لا يفهمها إلا الأحرار، ولا يكتبها إلا شعب لم يعرف الانكسار.

 

فيا أيها العالم، ويا أيها المتخاذلون من المحيط إلى الخليج، اعلموا أن غزة لا تحتاج إلى دموعكم، بل إلى صحوتكم، لا إلى مناشيركم، بل إلى وقفتكم، لا إلى تعاطفكم العابر، بل إلى فعلٍ يُداوي الخذلان، ولكن اعلموا أيضًا أن غزة لا تنتظركم، ولا تراهن عليكم، بل تمضي وحدها، عارية الظهر، مرفوعة الرأس، تكتب للتاريخ صفحة لا تمحوها القرون، بل تبقى لعنة على جبين الخونة، ونورًا في عيون الشرفاء.