كارثة عدم الرحيل
د. عبده سعيد المغلس
د. عبده سعيد المغلس

نجح النظام حتى الان في امتصاص صدمة الذهول التي احدثتها ثورة الشباب اذ عندما وصلت الامور الى مرحلة قلع العداد كما صرح الامين المساعد للمؤتمر الشيخ سلطان البركاني كان التصور لدى اركان النظام ان الامور دانت لهم وتم ترويض الشعب ولن يرفض او ينتفض ناهيك عن ان يثور. ثم حدثت المعجزة وثار الشعب اليمني في كل ربوع الوطن ثم بداء النظام ادارة الازمة حيث حاول الالتفاف على الثورة بعدة وسائل من مغازلة الاشتراكي الى الشباب الى اقحام العلماء ومن ضمنها رفع كتاب الله والاحتكام اليه مسترجعا حيلة التحكيم وفشلت كل محاولاته . وهو يحاول الان التسويف بالرحيل وتحويل الثورة الى أزمة حكم وسلطة بينه والمشترك لإفراغ الثورة من محتواها السياسي والجماهيري .

قراءة المشهد:

اولا:- على مستوى الثورة والشعب:

بتشخيص الواقع نجد ان ثورة الشباب والشعب في ربوع وطني مليئة بمظاهر البطولة الفذة والفريدة والتي سيسجلها التاريخ بأحرف من نور ومنها:

1-التلاحم بين ثوار الميادين واحتضان بقية ابناء المجتمع لهم.

2-منظر الجموع التي لا تفارق الميادين ليلا ونهارا وهي تزداد يوما بعد يوم.

3-منظر تلك الطفلة البريئة وهي تهتف وسط دموعها ارحل لقد قتلت ابي.

4-منظر ذالك الطفل الباسم الواثق وهو يرفع ابهميه بعلامة النصر وهو مصاب بالشلل النصفي جراء اطلاق النار عليه.

5-مشهد ذالك الشاب اليافع وهو محمول على نقالة الاسعاف وجراحه تنزف وهو يرفع علامة النصر.

6-مشهد ذالك الشهيد الذي قضى نحبه ووجهه وضاء بابتسامة الرضى .

7-مشهد ذالك الزوج والاب والذي حمل زوجته وابنائه معه الى ساحات الحرية والتغيير وهو يدرك ان الموت في انتظارهم جميعا او بعضا منهم.

8-مشهد تلك الأم التي تحمل ابنائها وهي تدرك تماما ان الموت قد يحصدهم.

9-تلك الصدور العارية التي تتحدى الموت وبلطجية النظام وسلاحه بشجاعة نادرة.

10-تلك الجموع من النساء والفتيات وهن يحتشدن بعشرات الألاف ويواجهن الموت بعزم وتصميم.

11-اولائك الساجدون الراكعون بخشوع وثبات والقوى الغاشمة تصب عليهم الرصاص الحي والغازات السامه ومياه المجاري في مشهد لم تمارسه القوى الصهيونية ولا القوى الاستعمارية.

12-المظاهرات اليومية والتصعيد باتجاه العصيان المدني.

ان تكرار تلك الصور والمشاهد في معظم محافظات اليمن يدلل على ان شعبنا كسر حاجز الخوف وقاد ثورة لن يتوقف عنها حتى تحقيق كافة مطالبه وأولها الرحيل, وهم على استعداد لدفع حياتهم ثمنا لذالك. لقد حقق الشعب اليمني السنن الإلاهية والكونية فغير ما بنفسه وخرج مواجها الموت ومتحديا لجلاديه مؤمنا بقضيته وخالقه أخذا بالسنن المحققة للنصر من ايمان وعمل ودعاء وهنا لابد ان حتمية النصر اتية قدرا ربانيا ووعدا قرآنيا .

ان شعبنا اليوم يقدم صورة حضارية قل ان يوجد مثيلا لها اذ انه ترك السلاح وتظاهر بشكل سلمي وتمت مواجهته بهمجية ووحشية وبشكل عدواني قاس باستخدام الرصاص الحي والغازات السامة. فسقط الشهداء بالمئات والمصابين بالألاف ولم تسلم حتى عربات الاسعاف والمستشفيات الميدانية من همجية النظام.

ثانيا:- على مستوى النظام واتباعه:

1-سقوط هيبة النظام وهيمنته.

2-استقالات العديد من وزرائه و رموزه السياسية والبرلمانية .

3-افلاس الخطاب السياسي للنظام حتى انه لم يجد شيئا يقوله في الجمعة السابقة سوى الحديث عن الاختلاط في الساحات مما فجر الغضب في كل المدن اليمنية.

4-عدم قدرته على تجميع انصار له وبرز ذالك في نفس يوم الجمعة في محافظتي تعز وعدن .

ثالثا:- على المستوى السياسي.

اقليميا:

بدد سكون المراوحة مبادرة من دول مجلس التعاون الخليجي وهي الدول الاقدر على فهم الواقع اليمني وتشعباته والأحرص على امن واستقرار ووحدة اليمن محاولة انقاذ الوضع من الانهيار وتمثل طوق النجاة للنظام وخروجه باقل الخسائر وتحقيق خيارات الشعب اليمني برحيل النظام وباقل الخسائر الممكنة.

اما مواقف الاطراف الداخلية فهي تتمثل بالاتي:

1-شباب الثورة:

 يتميز الشباب حتى الان بمقدرة فائقة على ضبط النفس والتحرك السلمي, ويرفضون أي مبادرة لا تضع الرحيل شرطا اساسيا من شروطها ويعلنون انهم لم يفوضوا احدا لتمثيلهم ويتجهون للتصعيد بتحويل المطالبة بالرحيل الى مطالبة بالمحاكمات ,ونقل الاعتصامات الى مسيرات تتجه للقصر الجمهوري.

2-اللقاء المشترك:

يتحرك من خلال مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي التي تنص على الرحيل محاولا حلحلة الاوضاع, رافضا التحاور المباشر مع النظام قبل الرحيل, مؤكدا عدم تمثيله لشباب الثورة المعتصمين في الساحات ,ولقد حققوا على المستوى السياسي لهم ولتكتلهم مكسبا بالتحاور مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون بتواصلهم المباشر وكسر الحصار الذي فرضه النظام وفرضه بعضهم بعدم التواصل مع جوار هام وحيوي لبلدنا ونمثل له نفس الاهمية اضافة لكوننا بمثابة الحديقة الخلفية له.

3-النظام:

يتحرك بأسلوبه المعتاد المناورة والمداورة واللعب على عامل الوقت واستقبل مبادرة دول الخليج تارة بالرفض واخرى بالتحفظ, وهي تمثل الفرصة الأخيرة له ,وعندم استقبلت الرياض قيادة اللقاء المشترك استقبل المتظاهرين بنفس اللحظة بالرصاص الحي والغازات السامة وكرر نفس الموقف من الشباب عندم استقبلت ابو ظبي وفد النظام للتفاوض وبلغ القتلى حوالي اربعة والجرحى بالمئات وزاد على ذالك باختطاف الطبيبات مستهترا بكل القيم والاعراف والحقوق التي كفلتها الدساتير والمواثيق الدولية كما انه اوفد بجانب الوفد الحكومي عددا من قادات ومسؤولي الاحزاب المتحالفة مع المؤتمر ليدق اسفين بين المشترك وحلفائه وشباب الثورة.

4-الجيش:

انقسم الجيش وانحاز الكثيرين لصف الثورة ولم يتبق معه الا وحدات من الامن المركزي والحرس الجمهوري وقوات الدفاع الجوي.

5-القبائل:

كل القبائل اليمنية وقفت في صف الثورة حتى قبيلة الرئيس حاشد ولم يبق معه غير بعض المرتبطين به منفعيا.

6-الشعب:

كل مكونات الشعب اليمني في صف الثورة من علماء واكاديميين ورجال اعمال ومواطنين ومنظمات مجتمع مدني ونساء وحتى الاطفال في صف الثورة ولم يستطع النظام حشد انصار له في تعز وعدن في الجمعة السابقة.

دوليا:

بريطانيا طلبت الرحيل بشكل مباشر وامريكا ارادت التدخل من خلال المبادرة التي ناقشها السفير الامريكي مع اخرين بمنزل نائب الرئيس ودعمت هي والاتحاد الاوربي مبادرة دول مجلس التعاون الحالية واليوم المانيا تتقدم بطلب لمجلس الامن حول اليمن . اذا فالمشكلة الأن تحضى بأهمية اقليمية ودولية لأهمية اليمن بالنسبة لدول الجوار والعالم في محاولة لإنقاذ الوضع من التدهور.

نهاية المشهد

ليس امام النظام الا قبول المبادرة الخليجية ليخرج ويخرج البلد اما اذ أصر النظام بعدم الاستجابة للرحيل باقل الخسائر فسيوجهه اصرارا اشد من الثوار وتلك المشاهد السابقة تبين موقف الثوار وصمودهم واذا ما فشلت مبادرة مجلس التعاون فلن يقبل الثوار بهذا الوضع فسيقومون بالتصعيد ومعهم كل القوى التي اصطفت بجانبهم وسيتم الانفجار الذي ستكون تداعياته اكبر من المطالب التي يطالب بها الثوار اليوم وسيكون الثمن باهضا لكل الاطراف فسيخسر الشعب مزيدا من الشهداء وهذا طبيعي لأنه جزء من ثمن الثورة وعنده الاستعداد لدفع هذا الثمن وسيخسر النظام نفسه ومن سينجو من المواجهة سينتهي امره اما عن طريق المحاكمة داخليا او خارجيا ولن يغفر الشعب اليمني لمن زود هذا النظام بوسائل القمع والقتل من اسلحة وغازات سامة وتدريب وتأهيل ولعل رفض النظام لأي حل قد يكون قدرا ربانيا يقود هذا النظام الى المصير الذي سطر له ليكون مصيره كمصير نظام مبارك واركانه.


في الأربعاء 20 إبريل-نيسان 2011 05:06:16 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.com/articles.php?id=