مجزرة الاقباط ومكافأة نتنياهو
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان

في الوقت الذي تتصاعد فيه الاتهامات لاسرائيل واجهزتها الاستخباراتية باختراق امن مصر من خلال شبكات التجسس وتورط عملائها في اذكاء نيران الفتنة الطائفية، تفرش السلطات المصرية السجاد الاحمر لبنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل الذي سيحل ضيفا على الرئيس حسني مبارك في منتجع شرم الشيخ.

نتنياهو منبوذ في مختلف انحاء العالم، وحكومته تتصدر قائمة الحكومات الاكثر عنصرية وتطرفا في العالم بأسره، فلماذا تكافئه السلطات المصرية بمثل هذا الاستقبال الحار، وفي مثل هذا التوقيت وعلى اعلى المستويات؟

في كل مرة يحشر فيها نتنياهو في زاوية العزلة والنبذ يتوجه الى شرم الشيخ باحثا عن طوق النجاة من الرئيس مبارك، لكسر عزلته، وللايحاء للعالم الغربي بانه مقبول عربيا، وان عملية السلام لم تمت والابواب جميعها مفتوحة في وجهه، بما في ذلك باب الدولة الاكبر عربيا.

الهدف من هذه الزيارة كما قال نتنياهو هو لبحث الامن وعملية السلام، والامن الذي يقصده هنا هو امن اسرائيل، والسلام الذي يعنيه هو سلامها، لانه ببساطة عمل ويعمل على زعزعة استقرار مصر وامنها من خلال شبكات التجسس التي تجندها اجهزة استخباراته، وتزرعها في قلب المؤسسات المصرية الحساسة، ومنها وزارة الاتصالات مثلما تبين مع الجاسوس المصري الذي جرى اعتقاله قبل اشهر معدودة بالجرم المشهود.

نتنياهو يريد ان يحول مصر الى حارس يحمي الحدود الاسرائيلية، وان تحشد كل امكانياتها الامنية لمنع تسلل الافارقة الباحثين عن لقمة خبز او فرصة عمل، حتى لو ادى ذلك الى اطلاق النار عليهم بهدف القتل. فالمهم هو حماية اسرائيل وتعزيز امن مستوطنيها.

السلطات المصرية تبني اسوارا فولاذية على حدودها مع قطاع غزة، تعززها بأبراج عالية، واجراءات امنية تصل الى درجة الاذلال لابناء القطاع في كل مرة يدخلون فيها الى قفصهم المحاصر او يغادرونه مخفورين بالامن والكلاب البوليسية حتى المطار، وكأنهم مجرمون مرحلون.

مصر تعيش حاليا حالة غليان طائفي، ومن المفترض ان تتفرغ كل الاجهزة الامنية والسياسية لمواجهة حممه، وتهدئة المشاعر المتأججة، واحتواء الغضب، ومن المؤكد ان زيارة شخصية مكروهة، يمثل بلدا عدوانيا، مثل نتنياهو ستضاعف حالة الغليان هذه، وتضيف عبئاً جديداً وثقيلاً على كاهل الحكومة المصرية.

* * *

لا نعرف سر نقطة ضعف الرئيس مبارك تجاه نتنياهو، مثلما لا نفهم الحكمة من وراء استقباله في مثل هذا الظرف الصعب، خاصة انه لا توجد اي قضايا ملحة تحتاج الى مثل هذا الاجتماع المهين في توقيته، والحرج في اهدافه واجنداته.

كنا نتوقع، ان يلغي الرئيس مبارك مثل هذا الاجتماع، وان يتذرع بتطورات الاوضاع الداخلية التي تحتاج الى متابعة لصيقة ومكثفة من قبله كشخص يتربع على قمة المسؤولية في بلاده، ولكن توقعاتنا هذه، مثل كل سابقاتها، لم تكن في محلها، نقولها ونحن نشعر بالمرارة.

نتنياهو هذا شخص يحترف الكذب، ومعروف على مستوى العالم بأسره بهذه الصفة، يجيد المراوغة والتضليل، ولا يحترم وعودا، ولا يحفظ عهودا، حتى الادارة الامريكية 'قرفت' منه واوقفت التعاطي معه من كثرة اكاذيبه عليها، فلماذا يحظى بالمصداقية في مصر الرسمية، ويستقبل بكل الاحترام والتقدير من قبل رأس الدولة فيها؟

الحكومة المصرية يجب ان تركز على أزماتها الداخلية، وان تطرق كل السبل من اجل ايجاد حلول ناجعة لها، وأبرز عناوين هذه الازمات هو اهمالها الامن المصري من اجل الحفاظ على الأمن الاسرائيلي.

صورة مصر تهـــتز في العالم بأســره، ودورهـــا يتراجـــع الى ما تحــت الصفر بسبب انشغالها طوال السنوات الثلاثين الماضية بوهم السلام مع اسرائيل، وتسويق هذا الوهم الى العرب، والفلسطينيين منهم على وجه الخصوص.

منظمات حقوق الانسان في العالم ثائرة ضد مصر بسبب اقدام قوات امنها على قتل العشرات من الافارقة الذين يريدون التسلل الى اسرائيل، فلماذا لا تترك هذه المهمات القذرة الى القوات الاسرائيلية المرابطة على الجانب الآخر من الحدود؟

الرأي العام العربي غاضب في معظمه بسبب المشاركة الرسمية المصرية في فرض الحصار الظالم على قطاع غزة، فماذا حصلت مصر الرسمية مقابل هذا الغضب الذي انعكس سلباً على دورها ومصالحها في الدول العربية؟ الم تنتقد اسرائيل علناً تقصير مصر في هذا المضمار رغم الخدمات اللامحدودة المقدمة منها، ألم يقل نتنياهو بالأمس فقط انه غير راض تماماً عن الجهود المصرية لمنع التهريب عبر الأنفاق؟

* * *

الاوضاع تتدهور في مصر، وساحتها الداخلية باتت مشاعاً للتدخلات الخارجية في وضح النهار بعد مجزرة كنيسة الاسكندرية ليلة عيد رأس السنة، فبابا الفاتيكان يطالب بوضع المسيحيين المصريين تحت الوصاية الدولية بعد فشل حكومتهم في حمايتهم. اما فرانكو فراتيني وزير خارجية ايطاليا فيطالب العالم الغربي بربط المساعدات لمصر باحترام حقوق الاقليات المسيحية، بينما حث رئيسه الايطالي على الانتقال من مرحلة الاقوال الى الافعال لحماية ابناء الطائفة المسيحية في مصر وغيرها من البلدان العربية.

هذه مقدمات لحرب صليبية جديدة ضد الدول العربية، وهذه تصريحات تشكل اهانة للنخبة المصرية الحاكمة، وكل مثيلاتها في الدول العربية. فهل تقبل ايطاليا وفرنسا وامريكا ان تتدخل مصر او ايران او تركيا في شؤونها الداخلية وتأخذ على عاتقها مسؤولية حماية الاقليات المسلمة فيها؟

هل سحبت مصر سفيرها من المانيا، او هددت بتخفيض العلاقات عندما تعرضت المواطنة المسلمة مروة الشربيني للقتل العمد في المحكمة من قبل الماني اعتدى عليها ولجأت الى العدالة طلباً للحماية من تهديداته؟

نتنياهو لن يقف الى جانب مصر في مواجهة هذه التهديدات في شؤونها الداخلية، الم يعِد مصر بمساعدتها لتأمين انتخاب السيد فاروق حسني وزير الثقافة اميناً عاماً لليونسكو بوقف الحملات اليهودية المتطرفة ضد ترشيحه، واثناء اجتماع مماثل في شرم الشيخ ايضاً، فماذا كانت النتيجة؟

كنا نتمنى ان نقول بأن الرد الأقوى على كل هذه التدخلات الاجنبية المهينة هو باحترام حقوق الاقليات في مختلف ارجاء الوطن العربي، ومعاملتها على قدم المساواة مع ابناء الاغلبية، ولكن المؤسف ان حقوق الاغلبية مهضومة، في ظل انظمة ديكتاتورية أدمنت القمع واصبحت مرجعية فيه، تصدّر خبراتها الى العالم. الاقليات تتساوى مع الاغلبيات في الظلم للأسف الشديد.

الرئيس مبارك لا يحتاج الى مثل هكذا اصدقاء يعبثون بأمن بلاده، ويتجسسون على مواطنيه، ويتآمرون لضرب وحدتهم الوطنية.

متاعب مصر بدأت عندما تخلت عن قضاياها الوطنية، وهويتها القيادية، ووضعت كل بيضها في سلة سلام مثقوبة ومغشوشة، مع اناس ادينوا بجرائم الحرب والتطهير العرقي ونقض العهود.


في الخميس 06 يناير-كانون الثاني 2011 10:29:42 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.com/articles.php?id=