الإرهاب وأنا
نائف مناع
نائف مناع

على قارعة الطريق تعثرت برجل طاعن في السن يرتدي أسمالاً بالية أتى عليها الزمن تتوزع الأوساخ عليها بدقة متناهية لاتبدو عليهـ ملامح الهيبة والوقار التي يتحلى بها بعض الطاعنين في السن وذلكـ بسبب عدم إهتمامهـ بنفسهـ ...

ملابسهـ رثة ولحيتهـ طويلة تتناثر فيها شعرات بيضاء قليلة لايراها أحد إلا عندما يقترب من وجهـ ذلكـ الرجل المُسن تلكـ اللحية غير مشذبة مما يتبادر إلى ذهن من يراهـ أنهـ مجنون ، قدماهـ يسيل منها الدم بسبب تلكـ التشققات التي يحتفي بها عقب قدميهـ فهو دائم المشي حافياً ...

وقت تعثري بهـ كان يغط في نومٍ عميق من يمر بالقرب منهـ يسمع شخيرهـ ، ولأنني أعاني من ضعف السمع وإنشغال فكري ببعض الأفكار الشاردة التي أحاول جمعها ولم شتاتها لم أسمع شخيرهـ ولم أنتبهـ لتلكـ القدم التي كانت ممدودة على الرصيف الذي يفترشهـ كسرير نوم بدون فرش وغطاء يتدثر بهـ ...

كدت أن أسقط على أرضية الرصيف لولا أن حافظت على توازني لألتفت ورائي مُحملقاً نظري في ذلكـ الرجل الذي يثير الرعب في نفوس البعض عند النظر لهـ لأول مرة ، أستيقظ من نومهـ العميق وجلس ينظر نحوي فرأفت بهـ خوفاً على نفسي منهـ وليس شفقة بهـ فرجعت إليهـ أعتذر وأمد لهـ ورقة نقدية لم أعرف كم هي؟؟

لاحت على وجههـ آثار إبتسامةٍ ماكرة أرتسمت على شفتاهـ التي لم أراهما لكثافة شعر شاربهـ وشعر لحيتهـ الشعثاء المتطايرة ، لم تدم تلكـ الإبتسامة فقد نطق ذلكـ الرجل بكلمات لم أسمعها جيداً مما دعاني لطلب إعادة ماقالهـ لي ، حاول النهوض ماداً يدهـ اليمنى نحوي لمساعدتهـ وما إن دنوت منهـ حتى أغمض عينيهـ وزم شفتيهـ مُخفياً بذلكـ ألماً كاد منهـ أن يصرخ ...

همس لي بأنهـ يريد مرافقتي بعد أن أدخل يدهـ في جيبهـ داساً تلكـ الورقة النقدية التي ناولتهـ إياها ، بانت ملامح الإستياء على وجهي لمنظرهـ المُرعب والذي يبعث على الإشمئزاز والتقيوء ، همس لي مرة أخرى بعد أن قرأ ملامح الإمتعاض والإستياء واضحة جلية على وجهي بأنهـ لن يُطيل وقوفي معهـ كثيراً مُراعياً بذلكـ مظهري وهندامي الذي يرقى كثيراً على مظهرهـ وهندامهـ ...

لا أخُفيكم بأن الشعور بالقلق والخوف أجتاحني وطغى على إستيائي وإمتعاضي من السير معهـ جنباً إلى جنب ، مما حداني إلى إخبارهـ بأنني على عجلة من أمري ، نظر لي نظرات شعرت بأنها أجتاحتني وأستباحت دواخلي لتعيث فيها خوفاً وتبث فيها إرهاباً أحال هدوءي وسكوني إلى قلاقل وزلازل وفجرت في داخلي براكين دمرت فيني ثقتي بنفسي وعدم الإستقرار الداخلي حتى هممت اللجوء إلى الفرار من ذلكـ المكان لولا أن لاحت إبتسامة عريضة رسمتها شفتاهـ التي أنفرجت عن أسنان ناصعة البياض تم رصّها بعناية مصحوبة تلكـ الإبتسامة بالضغط على يدي اليمنى التي يحتضنها بيدهـ اليسرى مُوجهاً بذلكـ رسالة أنهـ لامفر ولاهروب ...!!!

أطفأت تلكـ الإبتسامة – المحملة بالشفقة والطمانينة – البراكين التي تفجرت بداخلي ، وخفّفت من وطأة تلكـ الزلازل والقلاقل التي اجتاحتني وأبطلت ذلكـ الإرهاب الذي روّعني ، وأزاحت بعضاً من الخوف الذي أستباحني بينما لازال البعض الآخر من الخوف بداخلي مُعلناً حالة الطوارئ ...

همس لي بأنهـ يريدني أن أعبر بهـ الشارع وهناكـ على طرف الشارع سنفترق ، بذلكـ الهمس أعلنت وقوف حالة الطوارئ فهبط مؤشر الخوف بداخلي إلى مستويات متدنية لم تصل إلى الصفر واللاخوف ، ساورني شعور أنني بعبور الشارع بهـ أعمل معروفاً من وجهة نظر كُل العابرين والمارين بالشارع ، وانهـ لاتربطني بهـ صلة لامن قريب أوبعيد حتى من الرضاعة ...

بين فينة واخرى أشعر بأنهـ ينظر إلي شزراً دون أن يلتقي وجهي بوجههـ مُتحاشياً بذلكـ نظراتهـ التي أرعبتني قبل لحظات ، رائحتهـ مُنتنة تفوح منهـ رائحة البول والعرق التي فاحت أكثر عندما بدأت الشمس تلفحنا بحرارتها المرتفعة ، أبتعدت عنهـ قليلاً كي لاتلفحني رائحتهـ التي فاحت وبدأ هواء الشارع بنشرها في الجو ...

أطلق يدي من قيد يدهـ ومنحني حريتي بعد أن قرأ أفكاري وشعر بأنني أبتعدت عنهـ لتجنب رائحتهـ التي يضوع بها جسدهـ وأسمالهـ البالية ، تحررت منهـ ومن الخوف الذي تلاشى بداخلي ، وأرتفع منسوب رغبتي في الكلام لهـ ، أو الإستماع لهـ بإنصات والإصغاء لما سيهذي بهـ ...

لمح إستعدادي وإستعادتي ثقتي بنفسي فبدأ همسهـ بكلمات لم أعرف معناها تجاوز حدود الهمس ليرتفع صوتهـ بكلمات بدأت تتضح لي مُصيخاً سمعي إليهـ لأعرف سيل هذيانهـ الجارف ...

عيناي ترنو صوب الشارع للوصول إليهـ كي نفترق ، أسير الهوينى مترافقاً مع خُطى الرجل الطاعن في السن المتقاربة ، وكلما قطعنا جزءاً من الرصيف مقتربين من الشارع الذي أعرفهـ جيداً - لكثر ماسرت متهادياً تارات ومُسرعاً تارات أخرى عليهـ - ألحظ بأن المسافة تطول وأن الشارع الآخر الذي نغذ السير نحوهـ يبتعد ويتلاشى أحياناً بسبب المارة ...

ساورني شكـ نحو الرجل وأن مايحدث لي معهـ لم يكن صُدفةً جادت بها الحياة ، وأن تعثري بهـ سيؤول إلى مالم يكن في الحُسبان ، وربما بان لي شيئاً لم أكن سأتبينهـ لولا وجود هذا الرجل الذي قطع خيط أفكاري بكلمات مسموعة جيداً قائلاً :- أعرف أنكـ مستاء مني ومن مرافقتي لكـ ومن طلبي الذي منحكـ الكثير من الإطمئنان وأعرف أنكـ تنتظر عبورنا الشارع ووصولنا مكان ولحظة الفراق ، ولكن قبل الفراق يجب أن تعرف بعض ماسوف أهذي بهـ لكـ..؟؟!!

لابد من الإنتباهـ للرجل ولابد من أن أصُيخ لهـ السمع والتركيز على ماسيقولهـ وتجاهل ونسيان فكرة الوصول للشارع المراد الوصول إليهـ حيث تولد لحظة الفراق وبهـ سأتخلص من الرجل الطاعن في السن الذي لاتوحي هيئتهـ بهيبة ووقار من هم في مثل عُمرهـ ...

ضحية أنا لما يقوم بهـ الإنسان من أعمال ينبذها الدين وينفيها ويشجبها ويندد بها المجتمع ، وماتلكـ الأعمال سوى وليدة أفكار سلبية وقناعات خاطئة تم تبنيها من قبل ذلكـ الإنسان الذي لم يدركـ معنى وجود عقلاً وهبهـ لهـ الخالق الذي بعدم إعمال ذلكـ العقل بالتفكير السليم والإيجابي يتساوى بتلكـ الأنعام والحيوانات التي لايوجد لديها عقلاً تُميز بهـ بين ماهو إيجابي وسلبي ...

لقد أسُيئ إستخدامي كثيراً من قبل ذلكـ الإنسان المتغطرس حيث جعلني ذريعة وحُجة غير دامغة لاتسمح لهـ بإستباحة وإجتياح غيرهـ لتحقيق مآرب تتوافق مع مطالبهـ ومصالحهـ التي من اجلها تُستباح البلاد ويتم إجتياح الإنسانية لتنتهكـ كرامات وتُغتصب حيوات الكثير من بني جنسهـ ...

غدوت ضحية الإنسان الذي يظن بأنهـ خليفة الله في أرضهـ ووكيل آدم على ذريتهـ التي لم يوصي بها أحداً ، وبذلكـ الظن والإعتقاد أجاز وأباح لنفسهـ إحتلال أراضٍ وإحراق أراضٍ أخرى وإستعباد أهلها بعد أن تم لهـ قتلهم وتعذيبهم وإغتصاب الإنوثة وإغتيال الطفولة زاعماً بأنهـ يقوم بتحريرهم من العبودية التي كانوا يرزحون تحت وطأتها ، ويستخدم في ذلكـ شتى الآلات التي ساعدتهـ كثيراً في إحتلال وإستعباد بالإضافة إلى وسائل وأساليب تتبرأ الإنسانية منها مُمارساً بذلكـ إرهاباً فريداً من نوعهـ ...

وفي حال أن ضاق بعض أصحاب الأرض بما يعيشونهـ تحت وطاة المُحتل وبدأ خطواتهـ الأولى نحو المقاومة والجهاد ضدهـ فإنهـ يقوم بإقحامي في ذلكـ مُطلقاً تسمية إرهابيين على أولئكـ الذي يقاومونهـ ناشدين التحرير والحُرية المسلوبة منهم التي تم إنتزاعها وسلبها بواسطة المحتل تحت مسمى الإرهاب المزعوم ...

أفغانستان والعراق ، وقبلهم فيتنام وفلسطين وغيرها من الدول التي تم غزوها من اجل نبذ والقضاء على الإرهاب والإرهابيين حسب زعمهم بينما مايمارسونهـ في تلكـ الدول وشعوبها بحد ذاتهـ إرهاب ولكنهم يتلاعبون بالمصطلحات فإرهابهم يطلقون عليهـ تحرير وإحلال الديمقراطية ودفاع عن النفس ، ومقاومة الشعوب ضد المحتل يطلقون عليهـ إرهاب ...

فما تقوم بهـ إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني لايسمى إرهاب ، بينما دفاع الفلسطينيين عن أنفسهم بسلاح الحجارة يسمى إرهاباً وقتل الجنود الإسرائيليين لحاملي الحجارة يسمى دفاعاً عن النفس فأين هو الإنسان من اخيهـ الإنسان وأين هي الإنسانية التي يزعمون انهم يتصفون بها ؟؟؟

توقف الرجل المُسن عن الكلام ليبدأ من جديد ، ولكن مقاطعتي لهـ جعلتهـ ينصت لي ليرى ردة فعلي تجاهـ هذيانهـ الذي بدأهـ ، فسألتهـ من يكون ؟؟؟ ، ولكنهـ لم يُجيبني تاركاً لي فرصة الحديث الذي جابهتهـ بهـ قائلاً :-

ولكن لاتنسى بأن الإرهاب الذي لم يتم تحديد تعريف لهـ بعد يأخذ أشكالاً شتّى منها وليس على سبيل الحصر ، ماتقوم بهـ الحكومات من سياسات تجويع وتقريع وإرعاب وإرهاب ومنع للحريات ومُصادرة للأرواح والحياة ...

ومايقوم بهـ أفراد العائلة الحاكمة من العيث في خيرات البلاد حيث يتم سلبها ونهبها مُنشئين بها شركات ومؤسسات تدر أرباحاً تُضاف لأرصدة حساباتهم التي تشكلت من الهبات والمنح والمساعدات والصدقات والحسنات المفترض أنها من نصيب الشعوب ...

لقد تم إستغلال مسمى الإرهاب إستغلالاً أمثل من قبل الحاكم وأفراد عائلتهـ ورجال حكومتهـ ليتم وصم البلاد بهـ لضمان الدعم الممنوح لهم من الدول التي رصدت مبالغاً طائلة لمحاربة الإرهاب في كُل مكان ، وبذلكـ فإنهـ لامانع من أن يتم قتل العباد وتشريدهم ونزوحهم بإسم الإرهاب ليتم بذلكـ إستدرار وإستعجال ذلكـ الدعم الذي سيتم منحهـ لمحاربة الإرهاب المزعوم...

بدأ الشارع يقترب وتظهر حركة السيارات التي تمر عليهـ رغم حركة المارة التي توحي بالإزدحام عندها أيقنت بأن النهاية أوشكت وصارت قاب قوسين أو ادنى رغم الوقت الطويل الذي أنقضى برفقة رجلنا الطاعن في السن والنكرة ...

أنا الإرهاب بشحمهـ ولحمهـ ...

كان جواب الرجل النكرة لي على سؤالي من انت ؟؟؟

لقد غدوت متشرداً مُتسكعاً أفترش الرصيف بسبب ماقام بهـ الإنسان في حقي وحق نفسهـ ، حتى صرت تُهمة يتم إلصاقها بذلكـ الإنسان الذي يتم الإشتباهـ فيهـ أو ثبت في حقهـ القيام بأعمال إرهابية ليتم الزج بهـ في غياهب السجن ليتلقى أنواعاً شتى من التعذيب الذي يطال جسدهـ ونفسهـ ، وما سجن غوانتانامو إلا واحداً من السجون التي يسكنها الإرهابيين الذين قد لايعرف البعض منهم ماهو الإرهاب وماهي التُهمة التي نُسبت إليهم ؟؟؟

ولدت فكرة صغيرة في عقل بعض البشر الذي يظن بأن مايقوم بهـ هو الصحيح وانهـ يسلكـ طريق الصواب ، وترعرت في عقول الكثير حتى غدوت شاباً يافعاً يتم بإسمي القيام بالأعمال المنافية للدين والأخلاق ، أكتسبت شُهرة واسعة في كُل مكان حتى تم إستضافتي على موائد الحُكام والزعماء الذين اتخذوا مني وسيلة لجني الأموال ، فمايحدث هنا في اليمن المُثكل بجراحهـ سوى لُعبة سياسية قذرة يمارسها الحُكام لجني الكثير من الاموال بعد أن تم وصم اليمن بالإرهاب وتم قتل وقصف وتشريد الكثير من البشر تحت مسمى الإرهاب ...

شبت وهرمت حتى غدوت عجوزاً هرماً لايقدر على شيئ فقد ناب عني ذلكـ الإنسان فهو مصدر الإرهاب والمُتهم بالإرهاب حيث قام بأعمال يندى لها الجبين ويحزن لها القلب وتدمع لها العين ، فما تمارسهـ الحكومات على شعوبها من سياسات قاهرة تستعبدهم وتشل تفكيرهم ليغدو محصوراً في البحث عن لقمة العيش والصراع من اجل البقاء ناسين ومتناسين قضاياهم وقضايا إخوانهم الآخرين في شتى أصقاع الأرض ...

فبإسمي طال الفساد مؤسسات كبيرة لزيادة إنفاقها على الإرهاب ، وبإسمي غدا البعض متسولاً عارضاً ومُعرضاً وطنهـ وشعبهـ على مقصلة الإبادة والموت مادام سيفوز بدعم مالي تحت مُسمة محاربة ومكافحة الإرهاب ، حتى بعض المُخبرين السريين كي يحصل على ترقية أو مكافأة دسمة فإنهـ يلجأ لي مُستخدماً مصطلح الإرهاب ليكتب تقريراً واصفاً ومُتهماً مسكيناً موصوفاً بالإرهابي وهو بريئاً لاناقة لهـ ولاجمل فيما أتُهم بهـ ...

لقد وصلنا يابُني وعلينا أن نفترق فهنا مكان ولحظة فراقنا التي أتفقنا عليها سابقاً ، فيكفيكـ من الرعب والإرهاب مانلتهـ مني قبل ساعات قليلة ...

أعاد لي تلكـ الورقة النقدية التي دسها في جيبهـ هامساً لي بأنهـ يعرف أنها آخر ورقة نقدية بحوزتي ، يقول ذلكـ لي عندما بدأ بإحتضاني ومعانقتي عناقاً حاراً لامثيل لهـ حيث تلاشى وقتها ولم أجدهـ بعدها ...

غادرت المكان وركبت الحافلة ناظراً صوب جهة الشارع الأخرى عبر زجاج الحافلة لأرى طيف ذلكـ الرجل يلّوح لي بإحدى يديهـ مودعاً إياي وعلى وجههـ إبتسامة ماكرة ساخرة جذابة تحمل من الفرح بقدر ماتحملهـ من الحُزن لاأرى إبتسامة شبيهة بها سوى إبتسامة الموناليزا....


في الإثنين 15 نوفمبر-تشرين الثاني 2010 10:05:19 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.com/articles.php?id=8319