علي أعتاب بلطجة ديمقراطية
نبيل البكيري
نبيل البكيري

 

  لم تكن توجان الفيصل الكاتبة الأردنية بمقالها الذي نشر علي موقع الجزيرة نت حول تشخيص ظاهرة البلطجة التي برزت بقوة مرافقة للانتخابات المصرية البرلمانية الأخيرة تعلم أنها تعمل علي رصد ظاهرة ستغدو حاضرة بقوة في قاموسنا السياسي اليومي كأنظمة عربية غارقة في أزمة أخلاقية قبل أن تكون أزمة سياسية إدارية تتعلق بإدارة شؤون البلاد والعباد وشعوبا مسلوبة كل مقومات الحياة الإنسانية الكريمة.

فما حدث للنشاط الإصلاحي عبد الحكيم العيزري وما تلاه من مسلسل الاعتقالات والاعتداءات المتكررة لنشطاء اللقاء المشترك من قبل الأجهزة الأمنية بطريقة همجية مشينه أقل ما يمكن أن تصف به أنها "بلطجة " -وبعيدا عن هذا التوصيف -

إن تكرار مثل هذه الإعمال من قبل النظام لا يخرج عن كونه رسالة سياسية منحطة ومبكرة موجهة للمعارضة تشي بأن الحكم مُصر علي الغرق في مستنقع الهمجية والبلطجة معا , و إلا لما لجئ إلي مثل هذه الأعمال الهمجية المشينة.

وبحسب الفيصل أيضا في تعريف هذا المصطلح الواصل إلينا بسرعة الضوء فإن البلطجة هي "محاولة للحصول على وتثبيت سلطة ومنافع ذاتية غير مشروعة باستعمال العنف الجسدي ضد البعض بما يحقق إرهاب عامة الناس نفسيا وفكريا ويؤمن خضوعها لإرادة البلطجية دون نقاش".

فظاهرة البلطجة إن صح توصيفها بالديمقراطية, فإنها ديمقراطية أعرابية حديثة نسبيا وبراءة اختراعها هي لأنظمة أعربية أيضا كيفت ديمقراطية صورية في ظرف تأريخي معين لتجعل منها ديكورا تتزين به كموضة عصرية ومطلب دولي معا.

ولما أستعصي علي هذه الأنظمة بل سقطت من يدها حبال اللعبة ووجدت العالم اليوم لا يرضي بغير نظاما يحترم أدمية البشر أضف إلي ذلك وعي برز لدي الشعوب مما يعني سقوط هذه الأنظمة الديكتاتورية المتلفعة برداء ديمقراطي مهلهل علي يد الشعوب لا بقوة الدم والبارود بل بقوة الوعي وجوع البطون فلم تجد هذه الأنظمة محيصا من أن تبحث عن وسيلة أخرى توفر لها فرصة البقاء ولو علي الأشلاء.

هذه ما حدث فعلا في الانتخابات المصرية حينما أنقلب السحر علي الساحر فجمع النظام كل المعوقين ذهنيا وفكريا من فتوات الأزقة والحانات الذين لا هم لهم إلا إشباع بطونهم كيفما تأتي ذلك حلالا أم حراما فعمل علي إطلاقهم لعرقلة وتأخير بوادر نهاية نظام يحتضر بأي وسيله لو زهق الأرواح وانتهاك المحارم.

فإذا كنت بلطجة الفتوات في مصر لم تتجاوز أدواتها الهراوات والعصي والسكاكين لإثارة الفوضى بغية إعاقة وصول الناخبين إلي مراكز الاقتراع فإن بلطجة الحاكم في اليمن فتعددت أدواتها وتنوعت إبتداءا بتزوير جداول الناخبين ومنع قواعد المعارضة من التسجيل واعتقال وضرب ناشطيهم إلي استخدام أجهزة الدولة الرسمية من جهاز الأمن العام السياسي والقومي والمال العام والخاص والأجنبي وكل أجهزة السلطة دون استثناء جهارا نهارا وعلي عين الحسود.

فخلال الأسابيع القليلة الماضية سمعنا وقرأنا عن العديد من هذه الأعمال البلطجية التي يمارسها النظام ضد نشطاء المشترك فمن قمع مهرجان المشترك في عدن واعتقال بعض منظميه ثم الاعتداء علي منزل وسيارة رئس فرع الإصلاح في الدائرة 37 عبد السلام الحميري وكذا الإعتداء علي سيارة ناشط إصلاحي أخر في المحويت وكذا اعتقال واستدعاء ناشط المشترك في مديرة ردفان الأستاذ عبد الجليل محمد ردمان وكذا الاعتداء بالضرب علي الناشط الاشتراكي في المشترك رفيق الشرعبي في إمانة العاصمة واعتقال الكوميدي الأضرعي واحتجاز أمين عام نقابة الصحفيين رئيس تحرير الوسط في مطار صنعاء ومصادرة أوراقهما والعديد من الحالات التي لم تصل إلي الصحف فضلا عن عملية الاعتقالات الجماعية التي مُرست ضد نشطاء المشترك أثناء عملة ما أطلق عليه تصحيح جداول الناخبين.

أضف إلي عدد من الأحكام السياسية وليس القضائية التي صدرت ضد عدد من الصحفيين والتي لن يكون أخرها ما صدر ضد الزميلين خالد سلمان نايف حسان كل هذه تنبئ بمستقبل بلطجي للعملية السياسية والديمقراطية برمتها في ظل إصرار عجيب من قبل سلطة الحاكم علي إفراغ العملية الديمقراطية من محتواها.

فكل هذه الحوادث في خضم مؤشرات المشهد الحالي لا تنبئ إلا بشئ واحد ونتيجة واحدة وهي أننا مقدمون علي بلطجة ديمقراطية من أوسع أبوبها خاصة وقد بدا وضحا تماما الآن ما رمت إليه سلطة الحاكم من خلال مراوغتها التي ابتدائتها من تشكيل اللجنة الانتخابية وإنتهاءا بتعمد إفشال ما أطلق عليه وثيقة المبادئ بن الحاكم والمعارضة والتي لم يطبق منها حرف واحد حتى الآن.

إن اللجوء إلي العنف والبلطجة من قبل بعض فرقا العمل السياسي في إطار عمل سياسي مدني لا تخرج جل أدواته عن الحوار والرأي والرأي الأخر والأخذ والرد, فإن ذلك

لا ينبئ بغير إفلاس هذا الطرف أخلاقيا وسياسيا وأنه لم يعد عنده ما يقدمه لناس غير هذه الصورة السيئة القذرة التي كان يخفيها هذا إن لم تكن أساس استمراره في مكانه هذا.

ومن هنا فإن علي هؤلاء الذين يراهنون علي بقائهم بمثل هذه الأسال ب العتيقة في البلطجة والهمجية نقول لهم أن الناس لم تعد تخشي ذلك ولم تعد ترهب مثل هذا الأسلوب فإن ما تبحث عنه أعظم وأكبر وأسمى من أي شيء بل ويستحق من أجله كل  التضحيات وتهون في سبيله الغاليات من الأنفس والأموال والأولاد.

إنها الحرية والكرامة إنها المواطنة الحقه إنه العيش الكريم والأمن الدائم إنها العدالة بل إنها الإطعام من الجوع والأمان في الخوف.

فمن أجل ذلك ألا تستحق هذه المبادئ أن نضحي من أجلها ونحيى من أجلها, كم هم واهمون هؤلاء البلاطجة كم هم تافهمون إنهم من أجل شيء تافه يضحون بأنفسهم ويضنون أننا من أجل كرامتنا وحريتنا لن نحرك ساكنا, لا لا خوف بعد اليوم ولا  سكوت بل تضحية وثبات حتى ننال حقوقنا كاملة غير منقوصة فلا تخيفنا عصابات البلاطجة هؤلاء الأوباش الأجبن مما تتصورون.

فليسوا بغير أكلة فتات اللصوص وعبيد المهام القذرة أنهم مجرد حشرات متطفلة علي مستنقعات الفساد الآسن,وكلاب نابحة تبيع سادتها في لحظة جوع فطري تقتات من عذابات اليتامى وأنين اليتامى العاجزين.

 

 
في الأربعاء 09 أغسطس-آب 2006 01:35:14 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.com/articles.php?id=