في حينا تاجر
سلوى الإرياني
سلوى الإرياني

في حينا تاجر عبارة عن نذل تمادى في نذالته. هذا ليس سباً و لكنه حق الوصف لفخامته! و بسبب التمادي الذي بدأ منذ عشرات السنين، ما أن رآنا مدمنين ارتداء الممزق، الرث، المرقع البالي حتى هرع كالذئب المفترس، سائل لعابه و أفتتح متجر شاهق الارتفاع، تقريباً من ثلاثون طابق أو يزيد.

باع لنا كل ما هو قمة في الرداءة شكلا من حيث تصاميم الثياب، و منتهى السوء مضمونا من حيث مواد الثياب الخام. لعلنا أفرطنا في بؤسنا حتى أغريناه بالتمادي في نذالته. لعلنا نحن الجديرين بالسباب!

أشترى هذه الثياب بسعر زهيد، باعها لنا بأسعار خيالية.معتمد تمام الاعتماد أن ليس في حينا متجر سواه.سنشتري منه حتماً، شئنا أم أبينا كان له ما شاء. ألبسنا تلك الثياب و جرعنا في حلوقنا كالقطر المرة تلك الحياة. جاء تاجر حينا من الخارج مهندم،خصلات شعره لامعه، عطر و أنيق ليبيع لنا الثياب من الخارج لكنها كانت تلك التي تعرضت وقت صناعتها لإشعاعات نووية، أو أبخرة كيماوية أو ما نجا بأعجوبة من حريق! كان لثيابه رائحة مخلوطة من البيض الفاسد و الجاز، تخيلوا فظاعة رائحة هكذا خليط؟! عندما نتفحص بأصابعنا ثيابه قبل الشراء نسمع صوت تهشم زجاج أو ارتطام معادن بحديد، و إذا ما تحسسنا أطرافها أنت الثياب وسمعنا برعب ذاك الأنين، كانت ثيابه شيء مخيف، مخيف! كنا نتلفت بذعر لبعضنا البعض . ما هذه الثياب ؟ كفانا الله شرها. كان لمتجره الكبير أقسام عدة. لكل جنس دور حسب فئته العمرية. دور للرضع الذكور، دور للرضع الإناث، دور للأطفال و دور للطفلات، دور للمراهقين و آخر للمراهقات، دور للشابات ، دور للشباب، دور للرجال ، دور للنساء، دور للشيوخ،دور للعجائز، دور للحوامل،دور للمعاقين، دور للمعاقات، دور للعرائس،دور للعرسان، دور للأرامل،دور للأحذية وآخر للجوارب. دور للقبعات وأخر للملابس الداخلية. دور للنظارات الشمسية الرجالية و النسائية، لم ينسي حتى الأكفان..... أدوار كثيرة أصابتنا بالدوخة ، الغثيان و الدوار! لم يسلم أحد من أذاه، فقط سلمت من متجره الصلاة و سجادة الصلاة و ملابس الصلاة، ربما لأنه كان لا يتذكر حساب الله. و جرعنا بكل مهارة ما أراد لنا من حياة. كانت ملابسه مريبة، و لا أبالغ إذا قلت أنها كانت مخيفة. أخذتني أمي بعد أن تمزق كم ثوبي و إبطه، اختارت لي ثوب، فوشوشت في إذنها أن الثوب مخيف، فنهرتني بغضب:- مخيف؟ جسمك عاري يا ابنتي، احتشمي و كفي عن هذا الهذر السخيف. كانت تكذب، كانت أمي تعرف،كلنا نعرف أن ثياب تاجر حينا فعلا أشباح تخيف. لكن كنا نشتريها و نلبسها ابتغاء الستر ليس إلا، أو كما تقول جدتي " لنستتر"، نخاف العري ، ثم نرفع أيادينا لله بالدعاء ألا يصيبنا شرها.

أمام الآلة الحاسبة كانت طوابير الناس التي تريد الستر، تاجر حينا يكنز المال، كأنما يأمرنا أن نزيده من مالنا ، نذعن نحن بذل كأنما هو أمر. طوابير طويلة منا نحن زبائن القهر الخجلة من العري، الدموع تجمعت في مآقينا فلم نجرؤ على إطلاق سراحها خوفا من أن يلحظها جواسيس تاجر حينا فيخفونا في المجهول بقية الدهر.

عَلَمنا تاجر حينا أن نرتدي ما لا يعجبنا، أن نتقبل ما نرفض، أن نحفظ ما لا نفهم، علمنا أن نتفوه بما لا يقنعنا،أن نفعل ما لا نريد، أن نعطل في جماجمنا ما كان في السابق يعمل، أن نحيا دون أن نفرح،أن نجامل من لا نحترم، أن نبتسم لمن لا نحب و أن نشكر من يحفر أمام أعيننا قبورنا.صب الغربة داخل أرواحنا صب، بلا رحمة ، بلا إنسانية و لا حتى أدب.

بمرور الوقت بدأت الحقائق عن بضاعته تتكشف، أصبحت حقيقة ثيابه يدركها حتى الحمير. فقد انتشرت نسبة الإصابة بسرطان الجلد. سمعنا شائعات أن ملابسة تحتوي على مادة الرصاص و الإشعاع النووي. كثير ممن أشتروا نظاراته الشمسية أصيبوا بالعمى المفاجئ. كثيرون جدا ممن لبسوا ملابسه الداخلية نزفوا نزيف حاد. البعض حكى عن بنات فقدن عذريتهن عند لبس ملابسه الداخلية حيث كانت مخلوطة بشظايا زجاجية. ما هذه الثياب المخيفة؟؟ لا مجيب، البسوا و استتروا و أخرسوا! العالم الخارجي يحجز تذاكر للقمر، و نحن نستر بأيدينا عوراتنا. حسبنا الله و نعم الوكيل. نحن ناس قصتنا مع الفرح قصة حزينة، مضحكة في الوقت ذاته،أشبة ما تكون بملاحقات توم أند جيري في أفلام الكرتون، لم يمسك احدهم بالآخر و لا توقفوا عن الملاحقة.

بدأ تاجر حينا النذل يجني ثمار متجره المجرم.فعمر بدلا من البيت عدة قصور.أشترى سيارات عديدة خطبت ابنته، في زمن صار الكل فيه يخطب ود المجرمين، ما أن خطبت حتى طار إلى الخارج ليحضر لها ثوب الزفاف و فساتين الزفاف تشغل دورا كاملا من متجره، غير أنه كان يعرف حقيقة بضاعته و لا يريد أن يعرض ابنته لأخطارها. نحن أيضا نعلم بخطورة ثيابه، غير أننا كنا في يوم زفاف ابنته نبتسم للعروس، و نفوسنا غرقى في عمق مستنقع ذل النفوس! لم يجأر أحد بالحق، لم يصرخ أحد من ثقل القهر،فقط ابتسمنا. كانت فساتين الزفاف في متجر والدها "للعرائس" في حينا نحن، أما هي فلا تقاربها. هكذا ربانا تاجر حينا النذل ، هكذا شكلنا في قوالب العبيد.

كنا نحن زبائن تاجر حينا، يرزقه الله من أيادينا. اتخذ له أعوان، زوج بناته بهم، و زوج أبناءه ببناتهم. توسعت أسرة تاجر حينا...و نحن تحيرنا مالنا هكذا في عقم، هو يتكاثر و نحن فقط نزور المقابر؟! توسعت أسرته،أزداد عدد المستفيدين من متجره. هل كان تاجر حينا،تاجر نذل، أم جلاد؟ أنا والله لست أدري، غير أنني أعلم أن كل من كان يخرج من تحت إبطه جلاد، ما أكثرهم جلادينا. كنا نلبس ، نمرض و نموت.أقنعنا أنفسنا أن ليس في الأمر لا جرم و لا لبس. الموت حق! لكن لم يستفسر أحد أنحن نموت أم نقتل؟ كنا نقنع أنفسنا زورا و بهتانا أننا نموت موته كريمة، و أن لا أحد يكسر أنف خواطرنا؟ من قال أن أحد يمتهن كرامتنا؟ لا وجود لمن يسحقنا سحق! ازداد عدد قتلانا، أسرة تاجر حينا تزداد و أحفاده موردين الخدود.

لما يا تاجر حينا الحقود، امتصصت من براعم أمانينا الرحيق؟ أسقيته لنحلك المشغول.منعتنا نذوق بطرف سبابتنا العسل.أغرقت دنياك عسلا حلواً،من تدفقه بنيت خزانات وسدود ، سدود عسل يا مفتري سدود! بينما أكتفينا نحن بلعق تراب نعلك يا عدونا اللدود. أنا لن أقول أنني أكرهك، بل سأقول أن كراهية الأرض و السماء و من بينهما و ما بينهما، "لك" ليس لها حدود. عندما جاوز تاجر حينا المدى، بدأنا نضيق ذرعا بالسكوت. فجهرنا بشكوانا،إما نتحرر من ثيابه أو نموت. خرجنا إلى شوارعنا، تلقتنا بالأحضان ، هي الأخرى مجروحة، مشوهه بالحفر ومعاقة بالكسور،مثقلة بالشروخ! تكتلنا في الشوارع لا نريد من الدنيا بأسرها سوى أن نتحرر من ثياب تاجر حينا أو نموت.تمنينا أن نفتت أدوار متجره و نساويه بالأرض. لم يكن لدينا لا زند قوي و لا عضلات قوية، لا مفرس، لا جرافه، فقط كان معنا عزيمة. قررنا أن نساوي بالأرض الأدوار، أن نشعل الثياب، سنفجر الثياب النووية.سنقتلع نوافذ المتجر ونحطم الأبواب.رآنا نتجمع في الشوارع، رأي طوابير الزبائن تتناقص في متجره. فجن جنونه. فتشطر علينا و نحن مهيضي الجناح ،مكسورين الخواطر و هو يا ويلنا منه محترف دهاء و شطارة.

حاربنا برصاصة لم تجد، فأعمانا بحرماننا من الإنارة. تعبنا، بكينا لكن كنا واحد. لكن لأن تاجر حينا فعلا أستاذ في الشطارة ، الموجهة توجيه شيطاني،فقد بث داخل تكتلاتنا أعوان له و أبناء.أدعوا أنهم كرهوا السكوت على ظلمة لنا ، و أنهم سيقفون إلى جانبنا.فكان أن أضعفونا، خففوا دمائنا بالماء، و الدهان و ميعوا دمائنا في القذارة. فكان له ما أراده. أخبرهم كيف يخلخلون قوامنا ، كيف يدكون قاماتنا. كيف يطعمونا ثم يقيئوننا ، علمهم كيف يحمونا من خلف ظهورنا،فإذا بهم يطعنونا. كنا بإخلاص نحاول أن نقص ، نفصل و نحيك لكي نتخلص من ثيابه. قد كنا سننجح في التغيير، لولا أن أطلق ذئابه. رقصوا، غنوا، اشعروا،عزفوا ليطربونا على العود، فقطعوا كل شريان و أنزفوا كل وريد. عندما فشل في إخماد الناس، كذب عليهم أنه قد غير ملكية المتجر لكي يعودوا للشراء ،و ملك أحد معاونيه المتجر و سجل العقد في المحكمة، و كأنما ستختلف البضاعة. كانت الناس قد تعبت، فرضت و قبلت لعلها تنعم بالراحة و الإنارة و لو ساعة. بمرور الوقت كانت البضاعة هي، هي البضاعة، ضاع كل شيء، ضعنا،و من كان له أمل أيضاً نسيه، أو أضاعه!! أنا لا ألومهم، من أنا لألوم؟ أنا فقط أتسأل، كيف قبلنا بأعوانه بيننا و قد كانت ملامح الغدر بادية على وجوههم؟ فبسببهم ما عدنا واحد، بل صرنا كثير.أطعموا، كسوا و خدعوا.... ابتكروا من الحيل كل جديد. كيف قبلنا بهم، يبقون بيننا. هم لا يشبهوننا. ثيابهم ليست كثيابنا. بل ثياب من ذهب! فبأي ذريعة انضموا إلينا؟ احترت و لم أجد سبب. ناس لا ارتدوا ثيابنا، و لا مرضوا، لا ماتوا،لا عرفوا العقم، فبأي حجة يأتوا إلينا؟! لك الله يا بلد خير حامي و خير سند،أعدل واحد، بلا شيخ ،بلا مثقفين،بلا شباب، بلا قبائل،بلا مسلحين، بلا بنت بلا ولد،بلا قرف!

الخاتمة؟؟بقية قصة المؤامرة؟ما عدنا ننصت إليها، نمنا في بيات شتوي، سئمنا كلام، محاولة للتحرر من التاجر وها قد فشلت و السلام. نحن ألان ننتظر وصول شحنة ثياب جديدة، قالوا أنه نسج في ثناياها ألغام.


في الأحد 16 سبتمبر-أيلول 2012 04:50:17 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.com/articles.php?id=17312