الحراك .. تصحيح المسار قبل الانتشار
ابو الحسنين محسن معيض
ابو الحسنين محسن معيض

سارع الجنوب عبر قمة هرمه الحاكم ( المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني ) نحو الوحدة دون أدنى ضمانات تمنع التجاوزات والخروقات ودون أبسط التزامات تحفظ للناس حقوقهم وممتلكاتهم ودون أية دراسات ميدانية أو بحوث تخصصية يقوم بها أهل الشأن من أرباب السياسة والاجتماع والاقتصاد والإدارة والأمن وغيرها لبحث أرقى ما في كل شطر من الأنظمة والقوانين والمعاملات والتوافق على تطبيقها في حكومة الوحدة , وربما كان ذلك الاندفاع بفعل وعود قدمها تكتل في المكتب السياسي يؤكد تمكنه من السيطرة على النظام الشمالي بفعل وجود خلايا تنظيمية له تعمل هناك , ليكتشف بعدها أن من كان يعده بالسيطرة على الشمال كان هو عينه وذراعه في قلب الجنوب , وربما كان الاندفاع لأسباب أخرى نجهلها اليوم وتتعلق بتنفيذ أجندات خارجية وبثمن معلوم . واليوم بنفس المنوال يندفع الحراك الجنوبي بهذه العاطفة الجياشة رافعا سقف مطالبه إلى أعلى مستوياته ( الانفصال ) ومقررا أن البلسم لكل جراح الجنوبيين يكمن فقط في عودة البراميل التشطيرية !! وقد وافق ذلك هوى الذين لم يستطيعوا أن يسايروا أخاهم الشمالي في نشاطه اليومي ولا في انتشاره الوظيفي . فانتشرت دعوة الانفصال كالنار في الهشيم بدون قيادة موحدة حكيمة وبدون رؤية واضحة ولا خطة محكمة ولا دراسة مستوفية لجميع الآثار والسلبيات , مع تركهم الباب مشرعا ليندس فيهم كل من أراد تشويه قضية الجنوب السامية العادلة وتحويلها عن هدفها الأساس إلى أهداف فرعية مشتتة عادية , مع غياب أي ضمان حقيقي لعدم الاندفاع الثوري بعنف ليشمل حملة انتقامات وتصفيات عصبية وشخصية , وهو أمر يظهر جليا في نوعية المطالبين بهذا الحل وهم شريحة مندفعة يقودها الحماس أكثر من العقل وتسيرها العاطفة أقوى من الحكمة , فيتخبطون في كثير من القرارات والتقييمات ويتوعدون بالويل لغيرهم ويتلفظون بما لا يصح من الأقوال الجارحة لكل من خالفهم , ولا مجال عندهم إلا لمن طالب بالانفصال , فمن لم يفعل فهو عميل وخائن , ومن قال به فهو زعيم وقائد ولو كان قاتلا وقاطع طريق أو ممن تحلى بالعمالة المؤكدة ! وما أورد الجنوب المهالك إلا أمثال هذه العينة التي صادرت كل حق وبيان ومحت بسياستها القاصرة وثوريتها المجنونة دولة كان يشار لها بالبنان . فيوما بعد يوم يزداد الحراك تجمعا عاطفيا ويقل ترابطا تنظيميا .. يرتفع شعارا وينخفض قرارا .. يتوسع حلما وينكمش واقعا .. يكثر فكرة ويتناقص قناعة , فهل هو مدرك لهذا ؟! فما هو الحراك الذي نريده ليلتحق به أصحاب الحق وليكون قدوة لكل كيان يريد نيل حقوقه واثبات وجوده :

ـ نريد حراكا موحد المطالب والأهداف , تقوده عقول لها تجربة ناجحة في عالم السياسة ولها دراية بأساليبها وفنونها ـ حراكا له نظام داخلي ولوائح وبرامج معلنة , ينضبط لقوانينه الداخلية وأوامره القيادية , مرتبا أولوياته ومطالبه ومحددا خطواته وتحركاته , لا تحركه العشوائية وتسيره الارتجالية وتحكمه العصبية ـ حراكا يحدد رايته السياسية ومنهاجه , فالقول بان الحراك ليس حزبا سياسيا لهو قول مغاير للواقع , وفي حالة إصراره على أنه ثورة شعب ووطن فقط فليتقبل جميع أبناء الجنوب بكل توجهاتهم وأفكارهم وتنظيماتهم فالوطن لكل مواطن وليس للحراكي فقط ـ حراكا يقدم ورقة عمل وفق رؤية واقعية وشاملة لقضية الجنوب وتصورا حقيقيا لكيفية تسيير أموره تحت أي خيار متاح , فالفيدرالية خيار , والكونفدرالية خيار , والاستفتاء بعد سنين خيار , والتقسيم كمخاليف خيار , وليكن الانفصال حلا عند نفاذ الخيارات وليس هو أول العلاج فذلك يفتح بابا مباشرا لكل من أراد الانفصال ـ حراكا يبتعد عن العصبية والعنف وألفاظ الخيانة والتشهير والتجريح فكل هذه لا تمثل أخلاق الجنوب وأهله الكرام ’ مع عدم ترك المجال لأي مندس يسعى لتشويه أهدافه ـ حراكا لا يمجد الشخصيات ويرقى بهم إلى مصاف العظماء وألا ينسى تاريخهم في العمالة وعدم الوفاء وفشلهم المؤكد في قيادة البلاد ـ حراكا لا يحتكر مصير الجنوب وحده متجاوزا الكثيرين من أبناءه الذين لا يرون في قراراته حلا ذكيا ولا مخرجا مناسبا وأن أثاره سيئة وعواقبه خطيرة وأنها أحيانا ارتجالية عاطفية تفتقر إلى أبسط معايير فن السياسة والحوار فتكون سببا في تقهقر الكيان وعدم تقدمه ـ حراكا يتعاون مع غيره من الكيانات السياسية في إزالة كل ظلم وفساد في البلاد ويمد جسور التواصل مع جميع المكونات على الساحة متخلصا بذلك من عقدة التوحد والنرجسية ـ حراكا لا ينفي تاريخنا وحضارتنا لمجرد الخلاص من الوحدة فانتمائي لليمن لا يدل على أي تبعية واستحواذ . وليعلم الحراك أن الجنوب هو حجر الماس الثمين فإن حازه صائغ محنك صنع منه ما يليق به وإن حازه أحمق نظر له كزجاج فهشمه ثم داس بلا مبالاة على شظاياه المتناثرة ! فأيهما يحب أن يكون .. الصائغ المحنك المحترف أم الأحمق المتشكك المتعجرف ؟


في السبت 12 مايو 2012 07:01:25 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.com/articles.php?id=