انتحار اليمنيات
مأرب برس
مأرب برس

الانتحار في اليمن ظاهرة لها سماتها ومسبباتها وظروفها الخاصة، ورغم ما يكتنف حالاتها من عموض وما يحيط المعلومات عنها من تكتم وسرية من قبل الجهات المعنية أحياناً، وعدم دقة هذه المعلومات أحياناً أخرى، بسبب تردد الكثيرين في الإبلاغ عن مثل هذه الحالات بداعي العيب والخوف من الفضيحة، فإن المعلومات والمؤشرات والأرقام، جميعها تؤكد ان الظاهرة تشهد تصاعداً مستمراً خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة نتيجة الظروف المعيشية الصعبة والآزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها البلد عموماً.

لكن ما يثير قلق ومخاوف المختصين والمهتمين حول هذه الظاهرة، هو تزايد نسبة إقدام الفتيات أو النساء المتزوجات على الانتحار مقارنة
بالرجال في مجتمع محافظ مثل اليمن الأمر الذي تسعى "المرأة اليوم" عبر استعراض مجموعة من الإحصاءات والآراء في هذا التحقيق إلى أن تكشف ظروفة وملابساته.

منذ منتصف تسعينات القرن الماضي وحتى اليوم ومعدلات الجريمة في اليمن تشهد تزايداً مضطرداً. حسب ما تسجله أرقام وزارة الداخلية اليمنية، حيث تشير إلى أن حالات الانتحار خلال الفترة ما بين 1995م وحتى يوليو 2001م بلغت 1211 شخصاً من مختلف محافظات الجمهورية.. بينما تبين أن نحو 120حالة انتحار وقعت خلال الآشهر الستة الأوليى فقط من عام 2001م باستخدام الرصاص أو الشنق أو إشعال حريق أو تناول سموم وعقاقير طبية، وكانت نسبة عدد حالات الانتحار بين النساء 41.7% من إجمالي حالات الانتحار المسحلة.

وتوضح الإحصائيات أن القضايا الجنائية والحوادث الأمنية المختلفة في اليمن شهدت ارتفاعاً ملحوضاً خلال السنوات الماضية بلغت نسبة 37%، منها 16% حالة انتحار، بينها فقط 8% حالات انتحار نساء وفتيات.

 

وتصاعد معدل الجريمة عام 2004م بنسبة 20.85% عن عام 2003م حيث بلغ عدد الجرائم المسجلة (22575) جريمة حسب إحصائية صادرة عن وزارة الداخلية.. فيما أشارت مصادر أمنية إلى أن مؤشر حركة الجريمة خلال العام الماضي 2005م تصاعد بنسبة تجاوزت 9% وإلى ارتفاع معدل ارتكابها بزيادة رقمية تفوق 2900 جريمة عن العام الماضي.

ورغم ما تكشفه الإحصائيات والآرقام وتقارير المنظمات الدولية لحقوق الإنسان والجهات الأمنية المعنية من تصاعد لحالات وحوادث الانتحار في اليمن، إلا انها تفتقر حسب المتخصصين والباحثين. للمعلومات الدقيقة حول الظاهرة، نتيجة حالة التخفظ الموجودة وعدم تسجيل الكثير من البلاغات الخاصة بحوادث الانتحار لدى الجهات المعنية وسيطرة (مفهوم العيب الاجتماعي) لدى الكثيرين، وما يكتنف معظم هذه الحوادث من ملابسات تثير نوعة من الخوف من الفضائح.

ويواجه الباحثون صعوبة كبيرة في الحصول على المعلومات الدقيقة الخاصة بالانتحار، خاصة في ظل ما يحاط به مثل هذا النوع من القضايا والحوادث في الغالب من تكتم وسرية شديدة من قبل الجهات المعنية.

وفيما يرفض الكثير من المسؤولين والأكاديمين إطلاق صفة (الظاهرة) على حوادث الانتحار في اليمن. ويرون أن العوامل الاقتصادية من أهم الأسباب المباشرة التي تؤدي الى الإقدام على الانتحار، يؤكد مسؤولون أمنيون وأكاديميون آخرون أن عدد حالات الانتحار شهدت تزايداً محلوظاً خلال السنوات الآخيرة حوالي 1470 حالة، منها 316 حالة انتحار خلال الفترة من 1يناير وحتى نهاية نوفمبر عام 2003.

يقول الدكتور محمد الآفندي، رئيس مركز الدراسات الاستيراتيجية: "إن الشخص الفقير يزداد عنده الإحساس يومياً بالغين والظلم، فتتولد لديه حالات العداء للآخرين، ويقدم على الانتحار بعد أن يشعر بالعجز الكامل".. بيد أن الدكتور الافندي يرفض وصف الانتحار ب"الظاهرة". ويقول: "رغم الأعداد المخيفة لحالات الانتحار، إلا أنها تظل نسبة ضئيلة ولايمكن وصفها بالظاهرة".

وتسجل أعلى معدلات الانتحار في اليمن بالمدن الرئيسية التي تطغى عليها حياة المدنية وينتشر فيها الفساد الأخلاقي، وتغلب فيها المعايير المادية على المعايير الدينية الأخلاقية، لكن الملاحظ رغم ما يتم حول ظاهرة الانتحار من فعاليات تشمل (ندوات ومؤتمرات وحلقات نقاشية)، كان آخرها الندوة الوطنية المنعقدة بصنعاء في سبتمبر 2001م بعنوان (ظاهرتا الاكتئاب والانتحار)، والتي قدم فيها أكثر من 50بحثا علميا تناولت الظاهرتين بالتحليل والدراسة وبينت أسبابهما وعوامل انتشارهما وسبل معالجتهما، إلا أن ذلك لم يحل دون تصاعد حوادث الانتحار أو يود إلى التقليل منها.

حالات انتحار

المثير إلى جانب الفقر واتساع دائرة البطالة والإحساس بالظلم والدونية والقهر والاحتقار من قبل المجتع وغيرها من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية المباشرة التي ترتبط بالانتحار، أن تجد هناك الكثير من الدوافع التي ترتبط بالانتحار، وأن تجد هناك الكثير من الدوافع التي تقف وراء إقدام الكثير من الأشخاص على التخلص من النفس، بما فيها ما تخلفه إفرازات وأنماط الحياة المعاصرة ومتطلباتها الجديدة من عوامل لا تخلو تفاصيلها في الغالب من الإثارة والغرابة. وكثيراً ما يعلن عبر الصحافة المحلية في اليمن عن وقوع مثل هذه الحوادث من حين إلى آخر، لكن نادراً جداً ما يتم الاعلان عن ملابساتها، حيث سبق أن أعلن عن أقدام خمس فتيات من أسرة واحدة بإحدى القرى اليمنية الجبلية على الانتحار، من خلال رمي أنفسهم في ماء السد المجاور للقرية نتيجة معاناة من ضعوط أسرية.. لتكشف المعلومات بعد ذلك أن اجمالي عدد حالات الانتحار في تلك القرية خلال أسبوع فقط، بلغ سبع حالات بين حرق وغرق يقف وراءها العنف الأسري والقهر والضغوطات الاقتصادية (الفقر).

وفي معظم يناير من العام الجاري أعن عن وقوع ثلاثة حوادث انتحار في يوم واحد، لآشخاص بينهم فتاة تبلغ من العمر (20عاماً)، أسفرت عن وفاة (ف.م 45عاماً) من مديرية الخدير بمحافظة تعز، و(ع.م 30عاماً) من مديرية المسيمير بمحافظة لحج وقد شنقوا أنفسهم نتيجة ضغوط نفسية، وفشلت محاولة الفتاة (ل.م) من محافظة الضالع اليمنية بعد أن تم إسعافها في اللحظات الأخيرة قبل أن تشتشري مادة السم في جسدها.

عزلة وتعليم

يخلق واقع الحال في اليمن إلى جانب العوامل الاقتصادية العامة والبيئية والاجتماعية المحيطة الكثير من الظروف التي تولد زيادة الشعور بالاكتئاب والتوتر والقلق. أبرزها ظاهرة تعاني القات على نطاق واسع في أوساط المجتع من الجنسين وغياب فرص العمل وتحسين الدخل والحياة الكريمة، لكن عامل العزلة والتعليم مازال يلعب دور المحرض على تضخيم مشاعر الرفض وتصعيد النوازع الاستقلالية للمرأة اليمنية، مع أن الغريب في هذه القضية هو ايمان العديد من الأسر بالعلم وإقدامها على تعليم فتياتها اللوات يتكتشف انهن يمثلن نسبة لابأس بها بين الفتيات اللواتي يقدمن على الانتحار.

ويرى المتخصصون أن العادات "البالية" قد أضرت إضراراً كثيراً بالمرأة خاصة والمجتع عامة، كما أسهمت بشكل أو بأخر في تمييع وضياع جرائم قتل عمد وغير عمد ارتكبت بحق النساء.

ويتخفظ المسؤولون والضباط المعنيون بجرائم القتل في إدارة البحث الجنائي ووزارة الداخلية اليمنية، حيال الإدلاء بأيه معلومات حول هذه الظاهرة بحجة أنها تستهدف تشويه البلد، ويكتفون بالقول أن الانتحار قد يكون قتلاً عمداً تم تكييفه على أساس انه انتحار باتفاق عدد من أفراد الأسرة التي ينتمي إليها الجاني والمجني عليه، وأيا كانت الدوافع والأسباب والملابسات فإن عملية النتيجة تعطينا مؤشرات مهمة للبحث في تفاصيلها وتشابكاتها..

انتحار أم قتل؟

تشير دراسات متخصصة الى ان عددا من النساء يدفن على أساس أن وفاتهن طبيعية دون أن تتأكد الجهات الرسمية المختصة والمعنية من أسباب الوفاة الحقيقية، ودون أن تسعى اسرة المرأة المتوفاة في استخراج شهادة وفاة معتمدة، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً لاجتهادات وعمليات شك عديدة حول طبيعة الوفاة وخاصة إذا كانت المتوفاة شابة في مقتبل العمر ولم تعان من أي أمراض خطيره ظاهرة طيلة حياتها.

ومن أسباب الاجتهادات والشكوك المتعلقة بالانتحار، أن الأغلبية العظمى من سكان المناطق الجبلية والريفية والنائية ترفض بحكم العادات والتقاليد وقانون العيب والعار الاعتراف بانتحار المرأة، سواء كانت متزوجة او شابة ارملة او عازبة، خوفاً من التأويلات والاتهامات المطنة وكشف المستور وشيوع (القيل والقال).

وسواء كانت الأسباب ضغوطات نفسية اقتصادية، او كانت تلك المبررات أو التبريرات مشروعة أو غير مشروعة، مقنعة أو غير مقنعة، يظل الانتحار فعلا وجرماً سيتوي فيه الجاني والمجني عليه، خاصة أن كثيراً من حالات انتحار النساء قد يكون لأسباب متعلقة بقهر الرجل واضطهاد للمرأة، وجرائم العنف والشرف والخداع.. الخ.

وبغض النظر عمن يمارس العنف ضد المرأة سواء أكان الزوج أو الآب أو الشقيق الأكبر أو ولي الأمر وكل من تربطه علاقة قرابة قوية بالجاني – حسب دراسات ذاتها التي تبين وجود أسباب عديدة أخرى، فإن الضغوطات النفسية والاجتماعية والتقلبات الاقتصادية المتسارعة خلال العقد الأخير وتحولها 180 درجة بعد الوحدة، تبرز من بين أهم الأسباب المباشرة في استفحال ظاهرة انتحار الفتيات في مدن يمنية عدة وخاصة مدينة عدن التي تحتل المرتبة الأولى مقارنة ببقية المدن والمناطق اليمنية، حيث سجلت عدن وحدها 2.41% من اجمالي حالات انتحار النساء والشروع فيه في اليمن.

وفي كثير من الحالات نجد الكثير من الفتيات في اليمن تدفعهن الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، وتمشي ظاهرة الامية والفقر والبطالة الو المخاطرة بحياتهن والعمل في أماكن ومجالات تنعدم فيها الحماية وتزداد فيها مخاطر تعرضهن للمضايقة والإيذاء والتحرش الجسدي والعنف الذكوري والاغتصاب خاصة في ظل النظرة العامة تجاه المرأة كوسيلة للمتعة وبالتالي يكون الانتحار سبيلاً لامفر منه أمامهن للهروب من مواجهة الفضيحة والواقع.

وتؤكد الدرسات انه كلما زاد الجهل وزادت الأوضاع الاقتصادية سوءاً، اتسعت دائرة الظلم وزاد عدد الضحايا ودائماً ما تكون المرأة والطفل ضحايا هذا العنف، لأنهم يمثلون الحلقة الأضعف في المجتمع مشيرة الى أن جرائم العنف الموجهة ضد النساء في اليمن تعتبر من الجرائم الخطيرة التي تصل على القتل وترتكب معظم هذه الجرائم بدافع الحفاظ على الشرف عندما يتعلق الأمر بوجود شك في اخلاقية علاقة المرأة بالرجل.

وكان إجمالي بلاغات جرائم العنف الموجهة ضد النساء في عموم محافظات اليمن خلال 1997م وقد وصل إلى 42بلاغاً، يقابلها في عام 1996م (338) بلاغاً بنسبة زيادة قدرها 26%، فيما تشير التقارير الى أن 983 أنثى عمر 18 أو أقل تعرضن لجرائم مختلفة بين جسيمة وغير جسيمة عام 2001م ذهبت ضحيتها 310قتيلات.

ومعظم جرائم العنف الموجهة ضد المرأة في اليمن هي عبارة عن جرائم القتل العمد والقتل الخطأ والشروع في القتل والإيذاء الجسماني والاغتصاب والاختطاف والأخذ بالإكراه، وأخيراً الانتحار ومحاولات الانتحار.

لماذا ينتحرون؟

يعزو الاطباء النفسانيون الإقدام على فعل الانتحار الى مرض الاكتئاب النفسي أو عدم التكيف مع الواقع ومتغيراته وتقلباته أو حالات اضطرابية سلوكية، لكن حدولة أسباب ودوافع الانتحار تحت عوامل ومفاهيم عامة اقتصادية واجتماعية ونفسية واغفال الكثير من الأسباب والدوافع الخفية وراء معظم حالات الانتحار، يبقى حسب المختصين أحد أهم الاسباب الرئيسية التي ساهمت في تفاقم المشكلة وتمييعها، وغياب دور المراكز المعنية بحملات التوعية والبرامح التثقيفية الموجهة التي تقدم للشباب النصائح والإرشادات والمساعدات وتحل مشاكلهم النفسية وتخرجهم من دائرة الإحساس بالفشل، والشعور بالاكتئاب على مستوى المدرسة والجامعة وجهات العمل الحكومية المختلفة، كما ساهم في غياب إيجاد الحلول والمعالجات الهادفة لحل قضايا الشباب.

وباختلاف الزمان يبرز الكثير من المتغيرات والتحولات المعاصرة، لكن الأسباب التي كانت تدفع بالفتاة للانتحار قبل عشر سنوات ما تزال هي التي تدفعها اليوم للإقدام على هذا الفعل غير المشروع، وبدأ أن انفتاح المجتمع والفتاة على عالم اليوم عبر الكثير من الوسائط ووسائل الاتصال المختلفة كالإنترنت والفضائيات وغيرها، زاد من شعورها بالعيش على هامش الحياة، ودفع بالمختصين في محاولتهم الاجابة على هذا السؤال الملح: لماذا تنتحر المرأة في اليمن اليوم؟ لإرجاع هذه الظاهرة الى ثلاثة أسباب:

الأول أن المرأة تعيش مشاعر الغبن وتشعر بعمق غربتها وتعاظم إحساسها بالتهميش.. بينما السبب الثاني، حسب المختصين. هو الضغوط الاجتماعية التي تسلط نحو المرأة من الاتجاهات المختلفة، وهي ضغوط تستمد من سلطة القرون الوسطى، وهي أسباب وضغوط ربما تكون انقرضت في أصقاع أخرى، لكنها مازالت قائمة في اليمن.

أما السبب الثالث (في ظل طغيان أنماط معاصرة) هو أن المرأة اليمنية المعاصرة لم تعد تقبل بوضعها كقطعة أثاث زائدة عن الحاجة أو وعاء لتفريغ الرغبات، فالمرأة العصرية في اليمن وإن كانت تمثل نسباً مختلفة عن مثلايتها في العالمين العربي، الغربي هي ابنه عصرها تعيش آمالها وإحباطاتها بقلق وتوتر حسب إيقاع الحياة المعاصرة اليوم، وتخوض معركة ضد غول الجهل والتخلف حينا بالإصرار على تغيير العالم وأحياناً أخرى على رفضه.

ومع أن عدم الرضا بالواقع ومحاولة التمرد عليه بالدراسة والانخراط في سوق العمل، يشكلان الضمانة الأولى وصمام الأمان الواقي والفاعل في معركة الواقع الحياتي أمام الفتيات، إلا أن هذين الشكلين حين يجهضان "تتمرد" المرأة بالانتحار.

عن / مجلة أقلام 

 


في الأربعاء 11 إبريل-نيسان 2007 09:56:03 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.com/articles.php?id=