وقفات مع الحراكيين
د. محمد جميح
د. محمد جميح

وقفة 1

في الآونة الأخيرة نشط الرئيس اليمني الأسبق علي سالم البيض بشكل ملحوظ في رهن نفسه، وفصيل الحراك الذي يقوده للسياسات الإيرانية. يريد البيض دعماً إيرانياَ لفصل جنوب اليمن عن شماله، تحت مسمى جميل هو فك الارتباط، وعلى أساس أن الجنوب هو جنوب المريخ، وليس جنوب اليمن، ناسياً-أي البيض أنه كان رئيساً لجمهورية "اليمن" الديمقراطية الشعبية، التي قامت في جنوب البلاد بعد رحيل البريطانيين وإلى عام 1990م. يبدو لي أحياناً أن قضية البيض لا تعدو كونها ثأراً شخصياً من علي عبدالله صالح الذي يرى البيض أنه خدعه بالوحدة، ثم تخلص منه في حرب 94، ناسياً-أي البيض نفسه-أنه دخل الوحدة بالنية نفسها التي دخل بها علي عبدالله صالح، أي بنية التخلص من غريمه وشريكه في الوحدة والانفراد بحكم اليمن، وهذه حقيقة لم يعد من الممكن انكارها، حيث تلقى البيض وعوداً من كوادره في محافظات شمالية حينها بأن المستقبل مضمون له في حكم اليمن لأن الشماليين سئموا حالة اللاقانون واللانظام، وأنه بمجرد أن تجري أول انتخابات فإن البيض سيجد نفسه أمام مسؤولياته رئيساً للجمهورية. وجاءت الانتخابات في 93 وحل البيض ثالثاً بعد علي عبدالله صالح وعبدالوهاب الآنسي، وهذه كارثة سياسية لم يتحملها البيض، وانتهينا إلى الحرب في تاريخ معروف. لا أعتقد أن الوحدة كانت هدفاً بحد ذاتها للسياسيين، وإنما كانت السيطرة على اليمن والوصول إلى سلطته هي الهدف، وهذا شيء طبيعي يمكن تفهمه، إذ لا يوجد ملائكة في القصور الرئاسية على أية حال. واليوم يخون البيض ذكاؤه بالذهاب بعيداً في العلاقة مع دولة لها مشاكلها مع أغلب دول العالم ناهيك عن الدول العربية، ودول الخليج بصفة خاصة. إن البيض وهو يذهب هذا المذهب إنما يخسر دعما كان يمكن أن يحصل عليه من أشقائه في الخليج لإيجاد الحل المناسب للقضية الجنوبية التي يريد أن يرهن جنوبنا باسمها لإيران، مع أنه لولا البيض نفسه لما كانت هناك قضية جنوبية من الأساس، لأن البيض في نظر الجنوبيين المطالبين بالانفصال هو الذي ورطهم بالوحدة، وفي نظر الجنوبيين الوحدويين هو شريك حرب 94 برفضه العودة إلى صنعاء بعد التوقيع على وثيقة العهد والاتفاق في عمان. فالبيض مخطيء في نظر دعاة الانفصال، لأنه جاء إلى الوحدة، وهو مخطيء في نظر من يدعون لحل القضية الجنوبية في إطار الوحدة لأنه مع الرئيس صالح سبب معاناة الجنوبيين حسب هؤلاء. اليوم يحل علي سالم البيض ضيفاً على السفير الإيراني في بيروت، وهيأ له السيد حسن حزب الله ما تيسر من لقاءات هناك، دون أن يدرك بأنه يلعب عكس مصلحة قضيته التي يقول إنه يكافح من أجلها. وكما كان الثأر الشخصي من الرئيس صالح دافعاً للبيض في ذهابه بعيداً للمطالبة بالانفصال، فيبدو كذلك أن الثأر الشخصي من سلطنة عمان-التي استضافته وشرطت عليه عدم الخوض في السياسة-وغيرها من دول الخليج هو الدافع للارتماء في أحضان إيران. وأيما كانت الدوافع فإن البيض اليوم يقامر بما بقي له من مستقبل سياسي، بوضع البَيض (بفتح الباء) كله في سلة طهران. اندفاع البيض تجاه إيران لن يغني عنه شيئاً بل سيحرمه دعم العرب للحل المرضي لقضية الجنوب في إطار الوحدة التي لا تعد خطاً أحمر يمنياً وحسب ولكن دولياً وعربياً. قال السفير البريطاني السابق في اليمن لمجموعة من المعارضة اليمنية في بريطانيا مرة، من يريد أن يتحدث حول شمال وجنوب في هذا اللقاء فأنا لم آت لهذا الغرض. وكنت مرة مع الناطق باسم الحكومة البريطانية باري ماريستون على البي بي سي ومعنا معارض جنوبي آخر حاول أن يستميل ماريستون أثناء اللقاء، فقال له ماريستون، إن كان لديك قضية ينبغي عليك أن تحلها مع حكومة بلادك تحت سقف الوحدة، لأن سياسة بريطانيا واضحة في احترام وحدة الأراضي اليمنية، يقول الأمريكيون والأوريبون الكلام ذاته بشكل مستمر، ويقول السعوديون والقطريون وكل دول الخليج الكلام ذاته، وهذا ما يقوله العرب الآخرون، و لكن البيض مصر على تحويل كعبته هذه المرة تلقاء "قم" التي زينت له أنها نصيرة الهاشميين بما أنه ينتمي إليهم، دون أن يعي أن لإيران هدفاً آخر من تجزئة اليمن . ، هو التمكين لوكلائها الحوثيين من حكم ما تبقى من اليمن، لأن حكم شمال البلاد وحده أيسر على الحوثيين من حكم اليمن كاملاً، خاصة وأن الجنوب من مذهب آخر لا يكن له الحوثيون الطائفيون كثير ود.

وقفة 2

ضمني لقاء متلفز قبل ثورات الربيع العربي في لندن مع أحد قيادات الحراك. قبل الدخول إلى الأستديو قال لي: من العيب أن رجلاً مثقفاً مثلك يقف ضد قضية الجنوب، وأنتم في مأرب أقرب إلينا منكم إلى صنعاء. قلت له باختصار، أنا ضد الانفصال، ولست ضد الجنوب، ومع ذلك هل لو ترك الرئيس علي عبدالله صالح الحكم، ستتخلون عن مطلب "فك الارتباط"؟ قال: ولماذا تفرض المستحيل؟ قلت دعنا نفترض أن الرئيس رحل عن السلطة، هل ستتخلى عن "فك الارتباط"؟ قال بلغة حازمة، وبالدارجة "ملعون من زاد دعا لفك الارتباط لو رحل صالح". ودارت الأيام وها هو صالح اليوم يرحل عن السلطة، وهاهو صديقي العزيز مرة أخرى على الشاشة نفسها قبل أيام، يقول: مطلب الشعب في الجنوب العربي هي فك الارتباط وطرد قوات الاحتلال اليمني. ولله في خلقه شؤون.

وقفة 3

هذه الأيام يتعرض الإعلامي اليمني في البي بي سي أنور العنسي لهجمة شرسة من قبل دعاة الانفصال، تصفه بمحاولة رسم سياسة البي بي سي تجاه التعتيم على الحراك الجنوبي. أو أنه حسب لغة بيان ركيك في هذا الشأن "يحاول تهميش ونقل صورة لا تمت للحقيقة او بمعنى آخر تصغيرها". العجيب في الأمر أن أنور العنسي هو الذي ينسق لممثلي الحراك عملية الاستضافة في البي بي سي، والأغرب أن من يطالبون البي بي سي بإجراء تحقيق في تغطيات العنسي لفعاليات الحراك، يقولون في بيانهم "نحن دافعي الضرائب نشعر بأنه خان الأمانة" (لاحظوا لغة التخوين المتأصلة في القاموس الشرق أوسطي عموماً). الحقيقة أنني عندما قرأت عبارة "دافعي الضرائب" كدت أستلقي على ظهري من الضحك لأني أعرف أن "دافعي الضرائب" هؤلاء يعيشون على الإعانة الاجتماعية البريطانية في مجملهم، حيث يشكلون عبئاً على دافعي الضرائب الحقيقيين. أما عين الجهل فيظهر في أن لغة البيان تشير إلى أن من صاغه يظن أن العنسي مراسل البي بي سي في الجنوب، ولذلك يطالب باعتماد مراسلين جنوبيين مكانه، دون أن يعي أن العنسي يعمل في المكتب الرئيسي في لندن. حقاً: لكل داء دواء يستطب به إلا...

وقفة 4

الاعتداء على ساحة الحرية بكريتر واحراقها، علامة قوية على النهج السلمي جداً الذي ينتهجه من قاموا بهذا العمل، ومؤشر خطير على العقليات التي نفذت ودبرت، لأول مرة-حسب اطلاعي المحدود-يحسب الحرق بالنار نضال سلمي. الحريق هو الخطوة اللازمة لكي ينهض الجنوب على رفات من ضحوا بأرواحهم في سبيل نجاح الثورة. تصريحات بعض القيادات الحراكية التي أدانت العملية، ليست للإدانة، وإنما للتملص من العبء الأخلاقي الذي ألقى بظلاله على أدعياء النضال السلمي بحرق الخيام على عادة العرب في جاهليتهم الأولى، والدليل انهم تنصلوا من تحمل المسؤولية بإلقائها على بقايا النظام. القول بأن الذي أحرق الخيام هم بقايا النظام، قول يبعث على السخرية، لا نريد أن نداري عوراتنا بتحميل النظام الأوزار. الذين أحرقوا الخيام هم شباب الحراك أثناء تظاهرة لهم مرت بالقرب من ساحة كريتر، ولا داعي لاستغفال العقول، يا من لكثرة ما لطخوا وجه الشمس كادت الشمس أن تكون حجابا مع الاعتذار لأدونيس.


في الأربعاء 15 فبراير-شباط 2012 10:50:33 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
http://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://marebpress.com/articles.php?id=