نضال سلمي بتضحيات ..
توكل  كرمان
توكل كرمان

النضال السلمي حالة وابتكار عبقري انساني له من القوة والمفعول مايجعله اقوى بكثير من البارجات الحربية والمدافع وراجمات الصواريخ .

النضال السلمي .. عمل لايضاهيه شيئ وأداء ليس له الا ان يؤتي ثماره العاجلة والآجلة على أكمل وجه فقط حين يتوفر لهذا النوع من الثورات رجال يحبون السلام كما يحب الطغاة الحروب ، يتوجهون نحو الرصاص بقدر مايفر المستبدون من هدير الجماهير نحو الأقبية.

وبقدر ماتشعل حالات الصراع العنيفة ومثلها الثورات المسلحة من رغبات عميقة للتدمير والتدمير الآخر، فإن الثورات السلمية توقظ في نفوس وعقول الأمة ميلا نحو السكينة والالفة والقبول وتخلق حالة كبيرة من السلم الإجتماعي والسكينة عامة بسرعة مذهلة وقدرة عجيبة.

النضال السلمي طريقة فعالة مجربة وآمنة في احداث التغيير الجزئي والشامل ، في مكافحة حالات الفساد مثلما هو اسلوب حيوي في مناهظة حالات انتهاك الحريات ، وهي الاسلوب الأنجح في الدفاع عن حقوق الانسان وهي الوسيلة السحرية في تغير الأنظمة واسقاطها.

وما ثمة غير النضال السلمي وسيلة لضمان حكم رشيد واقامة مجتمع ديمقراطي حر وقوي ومستقر ، هذا ماتقوله التجارب في كل بقاع الارض التي شهدت تحولا ديمقراطيا وعاشت الحكم الرشيد واقعا معاشا شرقا وغربا شمالا وجنوبا ماثمة استثناء لهذه القاعدة التي تقول ان الدولة المدنية والمجتمع الديمقراطي والحكم الرشيد ويولد ويتخلق وينمو فقط في ظل حاضنة اسمها النضال السلمي ، تبثه ثقافة وتمارسه واقعا وتصر عليه مبدأ وقيمة اخلاقية لا انحراف عنها مهما كانت كثافة الرصاص الموجهة نحو الصدور العارية وإن بدا ان الطريق شاقة وأن الهدف صعب المنال .

يمكننا القول أيضا ان النضال السلمي الممهور بالتضحيات والمعزز بالاستعداد الدائم لتقديمها يمتلك وبالقدر ذاته من القدرة والفعالية مايجعل عروش المستبدين وكراسيهم تترنح وتضطرب وتتهاوى في وقت قصير وبتضحيات اقل بكثير من التضحيات المدفوعة في حالات التغيير العنيفة ، وبقدر ما ينجح الحاكم في خلق اسباب الصراع وتغذية عوامل التدمير والاحتراب الداخلي في حال الثورة المسلحة، فإنه يقف عاجزا تماما امام المسيرات السلمية ومعها كافة اشكال الفعل السلمي التي تحدث انهيار متتابع وشقوقاَ عميقه في نظامه، في حين تذهب كل محاولاته في خلق الاحتراب الاهلي ادراج الرياح ويشعر الجميع بحالة غير مسبوقة من الأخوة والشعور بالإنتماء الوطني الجامع .

 

ايها الاخوة ماثمة غير المسيرات والاعتصامات والعصيان والهتافات والرأي الحر وسيلة اخلاقية حضارية للتغيير ، وهي فقط تكون وسيلة للتغير حين يتوفر لها استعداد للتضحية وحين تراق الدماء البريئة على الاسفلت فإن هناك عروش تتهاوى واوطان على موعد وشيك للصعود الى القمة .

بالامكان القول ان الثورة السلمية حين تجنح اليها الشعوب فإنها تؤتي نتائجها الباهرة حتى قبل ان يتحقق لها اسقاط النظام انظروا فقط كيف تمكنت ثورتكم من تغيير نظرة العالم لليمن واليمنيين من شعب خطر ومتوحش نجح النظام المخلوع في تصويره للعالم الى شعب حضاري ، غدا خلال ايام محل فخر وتفاخر من قبل الجميع دول ومنظمات وافراد . لقد نجحت ثورتكم ايها الاحبة في خلق حالة من الشعور بالانتماء الوطني لدى اخوانكم في المهجر الذ ين باتوا يهتفون نحن يمنيون لما يلمسونه من نظرات الاعجاب والاكبار المصاحبة في كل مرة يكشفون فيها عن هويتهم بعد نظرات الازدراء التي طالما جلبها عليهم النظام المخلوع.

كيف خلقت حالة من الحب الشامل والسلام بين اليمنيين ، الم تختفي الصراعات والثارات القبلية او تكاد ؟ الم تقابل الثورة السلمية بحالة شاملة من التسامح والعفو الاجتماعي ؟ الم تشهد صعدة حالة سلام ووئام وهي التي تطفح بآثار ستة حروب مدمرة ابتليت بها وكان لها ان تخلق لولا الثورة السلمية حالة مزمنة من الثأرات والتدمير.

 

أراهن ان الاحصاءات عن الجرائم الجنائية لو وجدت فسوف تخبرنا ان الجريمة في ادنى معدلاتها كانت اثناء شهور الثورة السلمية حتى مع انهيار الدولة الشاملة ومع ارتكابها ابان سقوطها لخطيئة تسليح المليشيات واللصوص واصحاب السوابق .

لقد حققت ثورتكم السلمية الكثير في ظل زمن قياسي، شهد النظام تفكك بناه وعوامل قوته وهو الذي طالما تفاخر بمهارته وقدرته في الرقص على رؤس الثعابين وهو الذي ادعى بأنه صمام الامان وان رحل فبعده الطوفان ، وها قد ذهب وماثمة طوفان وماثمة ثعابين ، وما هنالك غير شعب الين افئدة وشعور اجتماعي عميق وصادق بالأمن والسلام كل ذلك في ظل فراغ شامل في السلطة بمستوياتها التشريعية والتنفيذية والقضائية وقبل ان تقدم الثورة شخصياتها النزيهة وبدائلها الرشيدة في الحكم وادارة البلاد.

عليكم ان تعلموا ايها الاعزاء ان حادث جامع النهدين الذي قوبل بصمت عالمي يشبه الاقرار ، اقول ان الصمت العالمي اقرار مباشر في ان رموز النظام يستحقون ما طالهم ,

أقول ايضا ان الحادث وما قوبل به من صمت دولي يشبه المباركة ما كان له أن يتم لولا ثورتكم السلمية التي افقدن النظام الشرعية والمشروعية ، ونزعت عنه عوامل القوة وسلبته القدرة على الفعل ليجد نفسه محاصرا في دار الرئاسة والذي هو الآخر لم يعد آمن فما ثمة مكان فما ثمة مهرب من ثورات الشعوب السلمية ذات النتائج العظيمة التي لايمكن التنبوء بمداها وبركتها.

لست هنا اظهر نزوعا نحو العنف او مباركة له ولم اتراجع عن ادانة الحادث المؤسف الذي لاترضاه ثورتنا السلمية ولا تعتمد عليه، لكني أقرر أن كل شيئ سيئ سوف يطال الحكام المستبدون حين لايستجبون لثورات شعوبهم السلمية وحين يظنون ان رصاصهم اقوى من الصدور العارية.

ايها الاعزاء ان دماء الثوار لاتذهب هدرا وليست فعل مغامر، وهي لاتنكسر امام الرصاص ، تقول العدالة الالهية والفطرة الانسانية وما اودعه الله الحي من اسرار في هذا الكون ان لها عواقب وخيمة على القتلة وعروشهم سرعان ماتنزع عنها عوامل القوة بالقدر الذي تكسب فيها الثورة عوامل التعاطف النمو وفق معادلة موضوعية وسنة كونية لاتبديل لها.

وعليه ايها الثوار ادعوكم الى ان تنظروا الى كل قطر دم تراق وكل روح تزهق في خضم الثورة السلمية على انها ليست مجرد ارقام للضحايا ، وقتلى جلبها سوء التخطيط والتقدير وسببها الفعل المغامر والتصرف غير المسؤول ، إن مثل هذه النضرة ومثل تلك الاقوال عمل غادر وغير مسؤول لا يقل سوء عن القتلة ومن يساندونهم.

من شأن مثل تلك الاقوال حتى وان ادعت العقلانية والحكمة والحرص على سلامة الشباب ان تجرد الثورة السلمية من روحها وقوتها وكل عوامل النصر والقدرة على الفعل والمقاومة والصمود ، انها تسلب الثورة الاستعداد المطلوب والدائم للتضحية ، وتنزع عن الثوار الاقدام والشجاعة مثلما تسلب الابطال الشعور بالرضى وهم يجودون بأرواحهم ودمائهم في كل مرة يواجهون رصاص المستبدين بصدورهم العارية من شأن تلك الأقوال المتخفية وراء ادعاء العقلانية والحكمة ان تخلق حالة من الشعور بعقدة الذنب لدى من يقودون المسيرات ويدعون لها ويشاركون فيها في كل مرة يحظى فيها احدنا بالشهادة وفي كل مرة يكرم الله ثائرا بطلقة غادرة تخترق جسده العظيم ، وهو لعمري شعور سلبي خاطئ من شأنه ان يوقف عجلة الثورة السلمية وينزع عنها المخالب والأنياب فتتوقف المسيرات ويحجم الثوار عن المضي نحو القصور واوكار المستبدين ويحجبون انفسهم وراء حصون واسوار من الادعاءات والتثبيطات تجعل المستبدين وحدهم في مأمن وتاليا بإمكانها ان تصل الى ماوراء الأسوار والحصون حيث مخيمات المعتصمين فتفعل فيها ما تشاء . بعد ان حرم الثوار من القدرة على التضحية بفعل ثقافة عرجاء وافكار غبية تقول تضحيات الثوار ضرب من التهور والانتحار.

تلك دماء تروي شجرة الحرية والكرامة التي لاتنمو دون تضحيات ودون ارواح زكية تخلق فيها النماء والحياة .

وحدهم المستبدون من يتعين عليهم ان يكفوا عن اطلاق الرصاص ، ومن عليهم ان يسلموا انفسهم الى عدالة الثورة السلمية ومشيئتها الغلابة ، وإلا فإن المسيرات والاعتصامات ستجوب الشوارع وتحاصر القصور والمنشأت العامة حتى يقضي الله امرا كان مفعولا هكذا يجب ان نتعامل دوما اذا شانا لثورتنا ان تحقق اهدافها كاملة .

علينا ان نتحلى بهذه الثقافة إبان مرحلة اسقاط الحاكم واثناء المرحلة الانتقالية ومابعدها علينا ان نجنح للفعل السلمي للمطالبة بالتغير وللتعبير عن الاحتجاج ، وإلا فإن الثورة السلمية سينالها التعثر والقصور وستموت في حين ان الاستبداد سوف يعود مرات ومرات طالما اغمدت المسيرات والاعتصامات والعصيان المدني وطالما وضعت قيود امام حرية التعبير وامام الجهر بالرأي الحر.

علينا ان نتسلح بهذه الثقافة السلمية التي تجنح وبصورة مستدامة للنضال السلمي بتضحيات لإكمال اسقاط النظام اليوم ، ولضمان عدم الانحراف اثناء الفترة الانتقالية غدا ، ولكفالة الالتزام بمعايير الحكم الجيد والرشيد بعد غد ، لا تلتفوا ابدا لمن يقول لكم على مسيراتكم ان تتوقف مادام علي عبدالله صالح قد رحل ولا تلتفتوا لمن يقول بأن عليكم ان تتوقفوا لأن في الجوار بلاطجة وقناصون أو لأن المرحلة الانتقالية لا تحتاج للمسيرات لأن فيها حكام معصومون ، ولا تبدوا اهتماما لمن يقول يمن مابعد نظام علي عبدالله صالح في غنى عن المسيرات والاعتصامات عليكم ببساطة ان لاتلتفتوا لكل اولاءك لأن اسقاط النظام واقامة دولتكم المدنية على انقاضه مرهون فقط بإشهاركم الدائم للمسيرات والاعتصامات في وجه حكام الامس واليوم وغدا فورا ولحظة حدوث اي انحراف دون تبرير او تسويف او تأجيل وإلا فإننا لا نفقه عن النضال السلمي شيئ ولم ندرك بعد كنه واغواره .

التحية لقائدنا العظيم الشهيد حين ولد وحين استشهد وحين يبعث حيا

ان امتنا وشعبنا سيظل مدينا له ولرفاقه الشهداء بكل ماسيشهده من مستقبل افضل ومن دولة رشيدة ومدنية آتية لا ريب فيها .

* ورقة عمل قدمت في ندوة (( القبيلة وسلمية الثورة )) بالتزامن مع أربعينية الشهيد ناجي الطهيفي


في الأحد 10 يوليو-تموز 2011 03:11:19 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.com/articles.php?id=10972